منذ سنوات عديدة ومن قبل غزو العراق 2003 وأنا أؤمن بأن النظام الإيراني في منأى عن أي حملات عسكرية لتغييره، وكما حدث في العراق وما تلاه بسنوات من فوضى حلت بليبيا وسوريا واليمن، ورغم سعي النظام الإيراني المعلن لتطوير صواريخه بعيدة المدى وسعيه لبناء مفاعلات نووية لامتلاك أسلحة ذرية.
مخطئ من يعتقد غير ذلك، فاليوم وما يشهده العالم من تجييش لحاملات الطائرات والأساطيل البحرية من الغرب قاطبة باتجاه الخليج العربي ومضيق باب المندب ومضيق هرمز والاستنفار في معظم القواعد الأمريكية في المنطقة، ما هو سوى عملية ضغط تجاه إيران لجرها نحو مفاوضات بصيغة جديدة لتكون بديلاً عن الاتفاق النووي 5+1 بين إيران والغرب، لتصير إلى اتفاق ثنائي 1+1 بين إيران وأمريكا وبشروط جديدة.
لن تكون هناك حملة عسكرية شاملة وكما شاهدها العالم بهدف إسقاط الأنظمة، وكما حدث في العراق ومن بعده ليبيا بسنوات، فليس هدف الغرب إسقاط النظام الإيراني، والذي أطلقوا هم أنفسهم يده في عواصم عربية عدة وصنعوا نفوذه فيها بهدف الفوضى ومزيد من التقسيم خدمة لمصالحهم وعلى رأسها الأمن القومي لدولة اليهود الدينية في إسرائيل.
غاية ما هناك هو إجبار إيران للزحف نحو مفاوضات ثنائية بينها وبين أمريكا وبوساطة روسية نظراً للمصالح المتقاطعة بين الأطراف الثلاثة، فالعامل الروسي له أهمية كبيرة نظراً للعلاقات التاريخية التي تربطه مع إيران منذ الثورة الإيرانية. إن كل ما يجري وما سيجري مستقبلاً لن يخرج عن إطار التفاهمات الضمنية بين واشنطن وموسكو، والتي غايتها الحد من النفوذ الإيراني في سوريا مستقبلاً في ظل بقاء الأسد في السلطة، والذي لن يمثل مشكلة ذات أهمية في ظل سلطته الشكلية الحالية ومستقبلاً أيضاً.
الهدف ليس صِداماً عسكرياً مع إيران، ولكن ربما ستحدث بعض المناوشات من بعض الأطراف أو حتى ربما بعض التحرشات وبشكل مقصود أو عرضي، ولكنها ستبقى تحت السيطرة الأمريكية الإيرانية معاً بغرض تسريع أو إبطاء جلب إيران إلى طاولة التفاوض، والتي غاينها الأساسية تحجيم قدرتها الصاروخية والتي بات مداها يصل إلى إسرائيل وأوروبا وتطال قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، وكذلك إنهاء البرنامج النووي الإيراني والقضاء عليه تماماً ومن دون أدنى شك، لضمان أمن إسرائيل بالتحديد.
الإيرانيون يعون ذلك جيداً وهم ليسوا سذجاً أو ضعافاً كما يتصور البعض، بل لديهم خبرات كبيرة في المفاوضات والصبر والتحمل، وهم يعلمون جيداً أنه لن تكون هناك حرب شاملة ضدهم بهدف تغيير النظام الذي لطالما خدم الغرب منذ 40 عاماً، والحصار الاقتصادي الذي فرضه ترامب لن يؤثر على القرار الإيراني كنظام بالقدر الذي قد يجعل الشارع الإيراني المحكوم بالحديد والنار من قبل الحرس الثوري قادراً على تغيير النظام.
لقد أثبتت لنا الأيام ومنذ بداية هذا القرن وبشكل فعلي أن تغيير أي نظام في المنطقة لن يكون من خلال إرادة الشعوب إلا بمساعدة قوى عظمى تتقاطع إراداتها ومصالحها وتتنافر وتبتعد وفقاً للمصالح والظروف، فالإقليم يمتلك أكثر من نصف احتياطي العالم من البترول، وهو لن يترك لإرادة الشعوب التي قد تتسبب في فوضى غير مخططة أو مرغوبة قد تهدد المصالح الكبرى. القوى العظمى لن تسمح وبأي شكل من الأشكال بقيام أنظمة وطنية تتحكم بثرواتها مما يؤثر سلباً على العالم الصناعي المتقدم وتأمين احتياجاته من الطاقة والتي تمثل مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم، أما نحن فلسنا في حسبانهم كشعوب، والشواهد صارخة في العراق وسوريا وليبيا.
هذا المهرجان والاستعراض العسكري للقوة ضد نظام الملالي لا يتعلق بنا نحن العرب من قريب أو بعيد، والدليل على ذلك غيابنا الكامل عن الاتفاق النووي الإيراني السابق 5+1 رغم أننا المعنيون والأكثر تأثراً به من خلال التهديد الجدي للنفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة ومنذ غزو العراق.
سوف تظل إيران النظام تماطل لكسب الوقت ما أمكن لها ذلك، وتأمل أن تصل للعام القادم عسى أن تأتي الانتخابات الأمريكية بوافد جديد للبيت الأبيض، ليكون بديلاً عن التاجر ترامب، عسى أن تستعيد به بعضاً من حنان وحنو أوباما المفقود.
إيران بعقلية التاجر والمفاوض الذي يمتلك الكثير من أوراق الضغط أو اللعب، تعلم كيف ستتعامل مع عقلية التاجر الأمريكي، وتعلم جيداً أنها آتية إلى طاولة مفاوضات ثنائية مع أمريكا وبعوامل مساعدة روسية وأوروبية، فأوروبا لن تستطيع أن تخرج من تحت العباءة الأمريكية، وخروجها كما يتأمل البعض لا يتعدى بعض التصريحات الإعلامية من هنا وهناك، وهذا ما أدركته إيران مؤخراً.
كلام ترمب المهادن والموجه لإيران مؤخراً ودعوتها للتفاوض ومن غير شروط مسبقة، يختلف كثيراً عن نبرته التصعيدية المهددة التي دأب عليها في مخاطبتها ومنذ حملاته الانتخابية، وهي ربما تعكس لدى البعض تصوراً متناقضاً مع التحركات العسكرية نحو إيران، وربما تولد تصوراً لدى البعض في تحول سياسته تجاهها، ولكن الحقيقة هي أنه وبأسلوب التجار "فكلاهما تاجر" لا بد وأن يستنفذ كل أساليب الترغيب والترهيب لجلبها وبأي شكل إلى طاولة المفاوضات "الثنائية" من جديد، مع حفظ بعض ماء الوجه ظاهرياً، وسوف تأتي إيران صاغرة وراغبة ما دامت تعتقد أن نفوذها لن يتأثر ووجودها الفعلي من خلال مليشياتها في العراق ولبنان وسوريا واليمن باق من منطلق القوة والواقع على الأرض، وبقاؤه يصب دوماً في صالح أمريكا وإسرائيل لما يمثله من تهديد وقلق لأنظمة وشعوب مجاورة، وهو المطلوب دوماً.
السؤال المطروح الآن وفي ظل هذا التصعيد العسكري، هو: ألم يحن لنا أن نضيف مقعداً إلى طاولة المفاوضات الإيرانية الأمريكية المقبلة ونجعلها 2+1 ؟.
المملكة العربية السعودية ومعها الإمارات والكويت والبحرين وعمان تمثل عمقاً استراتيجياً وتاريخياً للمصالح المشتركة مع أمريكا والغرب، وهي تمثل في الواقع رقماً صعباً في المعادلة ربما يغيب عن أذهان الكثيرين، فلا بد والحال كذلك من أن نُسخِّر ونستثمر كل إمكانياتنا المادية والسياسية لإضافة مقعد لنا في المفاوضات القادمة، لما تمثله إيران من تهديد وجودي وحقيقي ومباشر على مصالحنا المشتركة مع الغرب. هذا ما يجب أن تعيه وتدركه جيداً كل الأطراف، وذلك من خلال الضغط، فنحن نمتلك الكثير من الأوراق الرابحة والتي تؤهلنا لنبذ كراسي المتفرجين.
المملكة وما تملكة وتمثله من عمق خليجي وعربي محوري تعلم جيداً مخاطر وتداعيات الحرب على إيران، وكما تعلم ذلك إيران جيداً وتستوعبه، فليس من حكيم أو حتى عاقل يتمنى الحرب مع إيران، فإيران ليست العراق عام 2003 . إيران اليوم تملك قدرات قتالية كبيرة ولديها مليشيات مؤثرة على الأرض في كل البلاد التي تمدد نفوذها فيها، وهي تدرك ذلك ويمثل واحداً من مصادر قوتها التفاوضية، كما نعيه وندركه نحن وكذلك أمريكا. وضع إيران الحالي ليس مشابهاً لوضع العراق في 2003 وما قبله. لقد كتب النظام العراقي السابق بداية نهايته ومنذ غزوه للكويت وبشكل سافر وأهوج، بينما إيران اليوم تسيطر على دول وعواصم عربية وبمباركة غربية، بل مدت لها يد العون لتحقيق ذلكم النفوذ والتمدد.
عاطفياً يتمنى الكثيرون حملة عسكرية على النظام الإيراني لأجل تغييره، وهذا لن يحدث لا شكلاً ولا موضوعاً، فالبديل ليس مهيئاً على الإطلاق ولم يتم التمهيد له لا سياسياً ولا إعلامياً ولا تعبوياً، ولكن لا بد لنا من أن تكون لنا كلمة مسموعة ومؤثرة فيما هو قادم لإجبار إيران على الحد من نفوذها وتهديدها لأمننا القومي العربي، سواء كنا فرادى أو مجتمعين، فالشرر قد أصاب الكل دونما تمييز، وواهم من يعتقد أنه بمنأى عنه حتى لو كان بعيداً ويسكن الجانب الآخر من البحر الأحمر.
لا بد لنا من استثمار كل طاقاتنا وما نمثله من مصالح استراتيجية حقيقية مهمة للعالم أجمع، لأجل الضغط على أمريكا والعالم لتحقيق مطالبنا المشروعة في إنهاء أو الحد من التهديد الإيراني ودورها المستفز كراعية لإرهاب علني وسافر، لا بد لنا من أن نجعل المفاوضات 2+1 لتضم ليس فقط إيران وأمريكا بل لتكون المملكة العربية السعودية العنصر الثالث والأساسي فيها. كفانا تقليلاً من شأن أنفسنا كفانا، فقد سئمنا مقاعد المتفرجين.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



