كلمة (تمام شد) باللغة الفارسية تعني (انتهى او انتهت)، هذه الكلمة اصبحت الشغل الشاغل لدى الكثير من متابعي السياسة الايرانية والمواطنين الايرانيين، اي بمعنى، اصبح الجميع يسأل وبكثير من الالحاح :هل ان النظام الايراني الحالي وبالاعتماد على التحشيدات العسكرية التي تعدها الولايات المتحدة الامريكية استعدادا لأي قرار من الممكن ان يتخذ من قبلها، انتهى فعلا؟ هل ان هذا النظام (تمام شد)؟
ولكن، لنعتمد ايضا على ماقاله ترمب في تصريحاته بشأن الوضع مع ايران، وفي ظل وجود مفاوضين في الجانب الايراني تميزوا دوما بنسبة كبيرة من الذكاء والدهاء السياسي، حيث اكد الرئيس الامريكي بأنه يؤيد الحوار مع الجانب الايراني وهو يرغب بذلك ويؤيد انفتاحا سياسيا بين الجانبين، اذن الا تعتبر هذه المفاوضات فرصة لأستمرار النظام وتقديم بعض التنازلات للجانب الامريكي في لعبة (سياسية تكتيكية) لأنهاء الخلاف بين الجانبين؟
ومؤخرا اظهرت الخرائط العسكرية المأخوذة من الاقمار الصناعية حجم الحصار الذي تعاني منه ايران من الولايات المتحدة عن طريق القواعد العسكرية التي تحيط بها من اقصى جنوب قارة افريقيا وصولا الى الخليج ودول آسيا واوروبا، في مؤشر واضح بأن الاستعداد العسكرية باتت جاهزة لأي هجوم وشيك، كما لايمكن ايضا انكار تصريحات وزير الخارجية الامريكي الاسبق هينري كيسنجر والذي اكد بأن الحرب ضد ايران باتت امرا واقعا وان بوادر حرب عالمية ثالثة تلوح في الافق، ولكن ايضا، الا يعتبر كيسنجر وهو مهندس اتفاقية الجزائر لعام 1975 اكثر تحمسا لكل مايعارض النظام الايراني الحالي وهو من عمل على تقوية نظام الشاه بكل الطرق السياسية وغير السياسية؟
لن اتحدث عن اتفاق لوزان حول الملف النووي الأيراني والذي تم في عام 2015 لأن حيثياته معلومة وسيأخذ الكثير من الوقت، هذا الاتفاق كان من شأنه ان يحسم كل الخلافات بين النظام الايراني ودول العالم الغربي (مع ان علاقاتها بالجانب الشرقي ايضا تشوبها الكثير من التوترات) ، الا أن ترمب وبمجرد البدء بمرحلته الرئاسية كان قد قرر انهاء ملف النظام الايراني بشكل عام وبدأ خطوته الاولى بالأنسحاب من الاتفاق النووري، ومن الواضح ان اسقاط النظام الحالي في ايران امر اتفق عليه كل رؤساء الولايات المتحدة مع وجود اختلاف في مسالة الوقت وآلية التنفيذ ، لكن من الواضح ان ترمب جاد جدا في حسم هذا الملف.
اما السؤال الآخر الذي يتراود الى الاذهان ويعتبر اهم بكثير من السؤال الاول هو : ماذا بعد اسقاط النظام، وعلى من ستعتمد الولايات المتحدة الامريكية في ادارة الشؤون الايرانية وهل سيستقر الوضع؟
ولنبدأ من السؤال الثاني، حيث من الواضح ان الجانب الامريكي لم يبين حتى الآن دعمه لأية اطراف ايرانية معارضة ان كانت في الداخل او الخارج، هي تتعامل بشيء من الحذر مع المعارضة الداخلية لأنهم كانوا اصلا من اهم اقطاب الثورة الاسلامية في ايران (كروبي ومير حسين موسوي) ومن يتبعهما، ولاتوجد اية آفاق للعلاقة المتينة التي جمعت واشنطن بالمعارضة العراقية السابقة (الحاكمة حاليا) مع المعارضة الخارجية المتألفة من مجاهدي خلق وعائلة شاه ايران والمعارضة العربية المطالبة باستقلال الاحواز بالاضافة الى المعارضة الكوردية.
ومن الواضح جدا أن هاتين المعارضتين لا يوجد بينهما اي افق للتقارب والاتفاق، بل حتى ان كلا منها ليس متحدا مع بعضه البعض لذلك فأن الاعتماد عليها لن يكون بالامر السهل (ظاهريا) ولكن من الممكن جدا ان تجمعهم واشنطن في اية لحظة ليتفق المتخالفون في اطار موحد شكليا لتبدأ الفوضى بعد دخول هذه الاطراف رسميا لمرحلة الحكم نتيجة للتشعب السياسي والايديولوجي والقومي والمذهبي الذي يميز هذه التجمعات ان كانت حزبية او على مستوى افراد . ولايمكن ايضا تناسي التقسيم الاداري الحالي في ايران والذي يشجع في اية لحظة بسقوط هذا النظام على الانقسام بل وانقسام المقسم. اذن، ما الذي تريده امريكا من الوضع المستقبلي في ايران؟
وفي ذات الاطار، لابد ان نسأل هل ستجازف واشنطن باشعال حرب مباشرة مع ايران يدخل فيها الجيش الامريكي بكامل عدته وعتاده؟ وهل ستكون الحرب عن طريق قصف جوي او بحري من القواعد الامريكية التي تحاصر ايران ام ان سيناريو 2003 مع العراق سيتكرر مرة اخرى؟ ولكن..اليس الخيار الداخلي باشعال ثورة جماهيرية تسقط النظام ليطلب الكيان الجديد من امريكا الدخول بشكل رسمي لأيران، اسهل بكثير من دخول الجيش مسبقا في صورة تشبه الاحتلال؟
وعلى الرغم من الاختلافات الكثيرة ، الا ان الوضع الحالي في ايران مشابه جدا لما حصل في العراق ومن الممكن ان يتشابه الواقع الايراني مستقبلا مع مايحدث اليوم في العراق بعد سقوط النظام، وبذلك تفتح الولايات المتحدة الامريكية لنفسها بابا آخرا من المشاكل (الاختيارية) والتي تؤهلها للبقاء في المنطقة والسيطرة عليها بالكامل وطلب مزيد من الاموال لحماية مصالح الدول التي ستطلب منها الحماية بالاضافة الى تأسيس قاعدة عسكرية ثابتة ودائمة في ايران .
الصراعات مابعد سقوط النظام في ايران ستكون ايضا متشعبة، صراعات مذهبية بين اتباع الثورة الاسلامية والمعارضين لها، صراعات قومية بين الفرس والكورد والعرب والقوميات الاخرى حيث لايمكن انكار وجود البلوج والاتراك وبعض آخر من الاقليات القومية، صراعات ايديولوجية بين مؤيدي بقاء حكم ولاية الفقيه ومؤيدي العلمانية، وبقاء عدد لايستهان به من الذين سيشكلون ماسيسمى بـ(المقاومة) للوقوف بوجه الامريكان واعداء الثورة واعداء الاسلام (بافتراض قيام حرب مباشرة او غير مباشرة).
اي ان الادارة الامريكية تريد اشعال صراعات في ايران مازالت مخفية او تتمحور في اطار تصريحات اعلامية لم تصل الى حد المواجهة المباشرة، وبذلك تكون قد حققت اكثر من هدف، فهي اسقطت نظاما تقول انه يهددها ويهدد امن المنطة وهي اصلا من دعم هذا النظام منذ بداية نشوئه وحتى مايقارب منتصف الحرب العراقية الايرانية لينصرف الدعم لصدام تطبيقا لسياسة توازن القوى ،وهي ايضا ستفتح الباب لمزيد من تجارة السلاح بالاضافة الى مزيد من التوسع الامريكي في المنطقة وانتشار كثيف فيها سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وبذلك يكون ترمب قد حقق احدى اهم وعوده التي كان يؤكد عليها دوما باسقاط النظام الايراني كورقة يلعب بها لضمان اعادة انتخابه مرة اخرى حيث شارفت مدته الاولى على الانتهاء (هذا ان رشحه الحزب مرة اخرى)، وسيزيد الوضع تعقيدا باستمرار هذه الصراعات مما يجعل القوى الموالية للولايات المتحدة وحتى الغير موالية لها ترضى بوجودها على الارض كبديل افضل من الخصم المقابل (كما حصل في العراق من قبل قوى ادعت مقاومة الامريكان واليوم تتوسل بقاءهم) .
وبالعودة الى السؤال الأول، اقولها وبكل تأكيد، بأن ورقة النظام الايراني الحالي (لا اتحدث ان كان جيدا او سيئا) قد انتهت اي (تمام شد) ولابد من وضع جديد وبديل لما تعيشه ايران الآن، والمسألة ليست الا مسألة وقت وشيء من التنازلات بدهاء المفاوض الايراني لأطالة عمر النظام الى ان يحين القرار الحاسم، وهذا القرار الحاسم متوقع اتخاذه في اية لحظة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



