استبدل النظام العالمي مفهوم الإرادة الشعبية بالمقبولية المجتمعية والدولة بإدارة الشركة الخاصة، والسياسة بالحوكمة، فصارت قاعدة النجاح تمثل وظيفة الإنسان في استهلاك المعلن لإرضاء حاجات السوق بتراجع قيم الليبرالية وترسيخ سياسة معاداة الهجرة والأجانب للانتصار للهوية المسيحية ضد ما يشاع عن خطر الثقافة الإسلامية الوافدة إلى أوروبا.
أنهت معاهدة "وستفاليا" حرب الثلاثين عاماً 1648 بخلق هيكل للتسوية القانونية للمنازعات داخل وخارج الدويلات التي كانت بؤرة للصراع بسبب الخلافات الدينية بين الكاثوليك وأتباع الأشكال المختلفة من البروتستانتية.
وكان إبرام السلام الديني علامة فارقة في تطور التعايش الطائفي، لأنه يُجسد للمرة الأولى اعترافاً بأهمية خلق الأطر القانونية والسياسية لإدارة التعايش الديني بما يجنب أوروبا الدخول في حروب دينية جديدة، مضافاً إليها أطر إصلاحية في أوائل القرن الـ 18 عندما رفعت ثورة الفرنسية شعار الحرية والمساواة والإخاء بإزالة هيكلية الإقطاع القديمة لتخلق دول وطنية مستقلة تؤثر وتتأثر بها أكثر من 50 دولة رسمت معالم الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية وأنشأت دولاً ذات سيادة مستقلة أنهت مرحلة الاستعمار بصعود قوتين عظميين تتنافس فيما بينهما، هما الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.
كما أنهت الحرب الباردة في نهاية الثمانينات سباق التسلح بانهيار الشيوعية ووصول الأحزاب الديمقراطية إلى السلطه تحت رعاية الناتو بقيادة الولايات المتحدة التي تسعى اليوم بدورها لتأسيس نظام دولي جديد يقوم على أنقاض "وستفاليا"، وميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي للحفاظ على سياسة القطب الواحد بعد صعود الصين كقوة اقتصادية جديدة.
قد تكون عبارات بعضهم، مثل: "ليس من حل وسط لأمريكا، فإما النصر وإما الإبادة"، هو لسان حال ما نشهده اليوم من حركة معاكسة للإصلاح احتجاجاً على الخطط التي تبناها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ببزوغ نجم التيارات اليمينية المتشددة، والتي لا تتورع في استغلال الأحداث الراهنة للوصول إلى السلطة، والهيمنة على دول القارة العجوز لتقويض وتقليص الاتحاد الأوروبي وقدرته على حماية الدول الأعضاء بما تواجهه من تحديات في المجال الاقتصادي، وبالتالي إحياء الصراعات القديمة المندملة بفضل حل الاتحاد بين دول القارة، وإحياء الخلافات الحدودية واستغلال حالة النزوح والهجرة واللاجئين لتفجير الربيع الأوروبي الناتج عن التمرد المجتمعي للتراجع الاقتصادي وتنامي الإرهاب في الشرق وإشاعة الفوضى تحت ما يسمى إرهاب "الدواعش" العائدين من سوريا والعراق لكسب الصندوق الانتخابي وتخلي الناخب اليساري عن الشرائح التي دافع عنها طويلاً لصالح اليمين الشعبوي، لتُنهش الليبرالية من الداخل.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



