إن ولاده ظاهرة المؤرخين الجدد خارج حدود الأكاديميا الإسرائيلية هي بداية لولاده تاريخ أمة ما بعد الصهيونية تقدم روايات مختلفة عن الخطاب الرسمي في بحث صيروة شعب في محيط عربي لمعالجة ظروف التهجير قبل وبعد، والأخطاء التي ارتكبت لبناء مفهوم ما بعد القومية أو ما بعد الحداثة وهذه الأسئلة طرحت في ثمانينات القرن الماضي بعد اتفاقية أوسلو.
واليوم لابد من إعادة النظر بها وبتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بمؤرخين عرب جدد للروايات الرسمية العربية الثابتة لبناء مفهوم ما بعد السلام، فإن كانت رؤية المؤرخين الإسرائيليين الجدد لصفقه القرن وأشهرهم بني موريس الذي يرى "أن التسوية الجغرافية مع الفلسطيينين غير واقعية والمحافظة على تأييد الغرب يُلزمنا الظهور كطلاب"، سلام فإنه يتوقع "انهيار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزواله من الواجهة وربما قبل انتخابات 2020، مما سيدفع بالضرورة لتراجع العلاقات الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة وربما زعزعتها نتيجة تماثل نتنياهو المطلق معه، ناهيك عن المساس بالعلاقات مع اليهود الأمريكيين".
أما رؤية الكاتب توم سيغف، فتتلخص في أن "المجتمع الإسرائيلي منذ قيام الدولة كلما شعر بالأمان أنتج حياة أكثر أمريكية وأقل يهودية وأقل صهيونية، لذلك موافقة إسرائيل نقل مناطق احتلت في عام 1967 للفلسطينيين كشفت عن أول رئيس "ما بعد صهيوني"، لكن فشل مفاوضات 2001 عاقبت يهود باراك بانتخاب أرئيل شارون لتشكيل حكومة وحدة وطنية ثالثة، ونجح اليمين الإسرائيلي في إعاده الأفكار الصهيونية، وهذا ما أطلق عليه الكاتب "1967 إسرائيل بدّلت وجهها". هدفه نقد وحماية إسرائيل وتحقيق السلام العادل المتمثل بشخصية "بايبي ناتان" الذي حاربته إسرائيل وأنكره العرب.
قد تقودنا الأسئلة هنا: هل طرح ملفات نتنياهو للمدعي العام واتهامه بالفساد هو لإعادة تشكيل حكومة وحدة وطنية رابعة لتحقيق الأمن الوطني والأمن الفردي لكل مواطني الدولة والأمن والسلام بين إسرائيل وجيرانها على أساس سلام جديد ينهي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ويعيد الاتفاق على تفاصيل التاريخ، وفق نقد المؤرخين الجدد للنقاط الجوهرية للرواية الإسرائيلية الرسمية لحرب 1948، وموقف قادة الصهيونية من "إبادة اليهود في أوروبا"، و مشروع بناء إسرائيل والأسس التي أرست صوغ ما يسمى بالهوية اليهودية للوصول إلى إجابات منطقية حول كيفية نيل الفلسطينيين حقوقهم لإنهاء تاريخ المجازر وقتل الأطفال؟.
وللرد على الاتهام الذي يطرحه البعض: ما الفرق بين النازية الغربية التي قتلت اليهود وبين إسرائيل، فإن الأول مرتبط بالخوف من تدهور الوضع الاقتصادي الذي دفع المواطنين من أبناء الطبقة المتوسطة إلى الانضمام إلى الأحزاب اليمينية دفاعاً عن شوفينية الرفاهية من السامية، ودور الثاني في الدفاع عن القضايا الوطنية والدولة القومية على حساب المواطنة والديمقراطية.
ولفهم مقولة بنغوريون "بين الأراضي والسلام، أنا أختار السلام"، فإن نقده لسياسة ليون تروتسكي لمفهوم "لا حرب ولا سلام" ومن طرف واحد، ودون توقيع اتفاقية مع ألمانيا، على إنهاء الأعمال العدائية للسامية، فهذه ليست استراتيجية وليست مشروع سلام كما يصف بن غوريون في صفحة يومياته "إحراز سلام يعني أن العرب سيطلبون منّا ثمناً لذلك، وربما تعديلاً في الحدود أو إعادة لاجئين، أو ربما كليهما، وعندها يتم دفع الثمن الباهظ الذي يتطلبه ذلك أحياناً، أو حرب، وتحمّل إمكانية مخاطرها الرهيبة".
لذلك فإن تحقيق أيٍّ منهما في الوقت الحالي غير قابل للتطبيق، ولشرح أسباب ذلك لا بد من معرفه أسباب صعود اليمين الإسرائيلي وفهم الأحزاب الفئوية ونشأتها وأهدافها ليتسنى للقارئ المقارنة بين صعود الإسلام السياسي وانتماء الأحزاب الشيوعية إليه، واضمحلال دور الأحزاب الصغيرة "من الخلفيات الدينية المختلفة" وعجز الواقع العربي عن تغيير المشهد السياسي بواقع مقارنة الانقسام السياسي الإسرائيلي بالانقسام السياسي العربي ودورهما في تدمير الهوية الشرقية لليهود أولاً ولباقي المكونات الإثينية المستوطنة في إسرائيل والشرق العربي ثانياً.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



