نحن اليوم بين ناتفٍ ومَنتوف وهالسٍ ومَهلوس. نحن نعلم علم اليقين أسماء هالسينا وناتفينا. نحن نعلمهم فمهما تكاثروا وتكالبوا فهم قِلةٌ قليلة وباغية، ونحن الكثرة والغالبية العظمى المنكوبة. نحن الشعب، فإلى متى نظل نحن المهلوسين والمنتوفين دوماً؟!
الهَلسْ ليس معناه النَتفْ كما هو دارج باللهجة العامية، بل هو هلَسَ يَهلِس هَلْساً وهُلاساً فهو هالِس، والمفعول مَهْلوس، ويقال هَلَسَهُ الدَّاءُ أَو الحزن أي هَزَله وضمره، لقد شَبعنا يأساً وحُزناً وقَهراً وهُزالاً وظُلماً وداءاً مزمناً بلا دواء.
يُحكى أن ستالين في بداية حكمه جمع رفاقه في القيادة والحزب الشيوعي السوفياتي، وكان قد أمر بجلب دجاجة على قيد الحياة، وأراد أن يوصل من خلالها رسالة لكل من حوله. رفع ستالين الدجاجة أمام أعين رفاقه الحضور من أعضاء القيادة والحزب وهو يمسكها بقوة بإحدى يديه وأخذ ينتف "يهلس بالعامية" ريشها بيده الأخرى.
الدجاجة المسكينة كان هذا حالها بين براثنه، واستمر في نَتفِ ريشها رغم محاولاتها المستميتة للخلاص والفكاك وهي تُبقبقُ محاولة التملص من بين أصابعه ولكن بلا جدوى، حتى تم له نتف ريشها تماماً وأصبحت عاريةً بلا ستر أو لباس، وقال لرفاقه ترقبوا ماذا سيحدث الآن.
وضع الدجاجة العارية "المنتوفة نتفاً والمهلوسة هلساً" على الأرض وابتعد عنها وهو يحمل في كَفِّهِ حفنةً صغيرةً من حبات الحِنطة والشَعير، وفوجيء كل من حوله وهم يرون الدجاجة المنتوفة تركض نحوه وتتعلق بطرف ردائه ليرمي لها بعضاً من حبات الحِنطة والشعير تلتقطها بمنقارها من الأرض، واستمر يتنقلُ من مكان لآخر في أرجاء القاعةِ الفارهة والفسيحة والدجاجة تتبعه أينما ذهب طلباً لمزيد من الطعام، حينها التفت ستالين إلى رفاقه المدهوشين وقال لهم: "هكذا يُمكنكم أن تَحكموا الشعب. أرأيتم كيف تبعتني الدجاجة طلباً للطعام لتأكل رغم كُلِّ الأَلم الذي سببته لها؟!".
كان حكم ستالين يعتبر من أعتى وأقسى الديكتاتوريات التي مرت على البشرية خلال القرن الماضي في بلاده، إلا أنه لم يسمح لشعبه أن يجوع أو يعرى رغم كل الظلم والاضطهاد. لقد كان ستالين أرحم بكثير من الناس الذين يحكمونا اليوم، الذين لم يكتفوا بنتف ريش الشعب، بل سرقوا كل شيء وتركوه عارياً بلا ريش ولا حنطة ولا شعير، حتى بات الكثير من الأطفال والفقراء ينافسون الدواب في المزابل، وباتوا مشردين يبحثون عن مأوى.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



