ما أصعب أن يكون الشاب الكوردي كاتباً صحفياً في العالم الكوردي، وسط عواصف التشويه والقضاء على الأحلام، ويكفي أن يُبخس أحدهم حقه بعد أكثر من عقد- على سبيل المثال- مدافعاً عن قضاياً رئيسية، والدفع بالمتطفلين على حقلي الكتابة والصحافة نحو بوابات المجدّ والاحترام، للتدليل على ذلك.
تعرض الأعلام الكُردي الحزبي في سوريا إلى "خبطة" مدوية بعد 2011 وصار الكتّاب والصحافيون أقوى من المنابر الإعلامية الكلاسيكية، وتحلوا بقوة اكبر مقارنة بضعف الصحافة التقليدية من إمكانية الوصول إلى المعلومة المهمة والمفيدة، على حساب التنظير و"التسطيح" في نشر المعلومة. خاصة وإن الجيل الشاب يمتلك إضافة إلى عقلية جديدة في الإعلام، أقداماً تترصد المعلومة في مهدها، عوضاً عن الاكتفاء بتحرير صرّاع الأفكار في عقله وسكبها على الأوراق فوق طاولته المكتبية.
رُبما، لو نجح "الربيع العربي" لنجحت أفكار وتجارب الشباب، عوضاً عن انتظار اللئيمين للعطف على مجهوداتهم وطاقاتهم. الغالبية تخدع الشباب، وخاصة إن كانوا من ناصية العمل الفكري والثقافي والسياسي.
الاستقطاب الحاد الحاصل في الوسط الكُردي، لا يتوقف على فرز المادة الإعلامية لحساب جهة مُحددة فحسب، فأيَّ نوعً صحفي يُكتب سيندرج مُباشرة لصالح طرف على حساب طرف آخر. تتنوع رؤى القراء عادة في تصنيف صاحب المادة وفرزه لحساب جهة مُعينة، إلى هُنا قدّ يبدوا الأمر طبيعياً ككل مكانً أخر. المشكلة أن المفروزين يخضعون لفرزً جديد لدى أصحاب الشأن من سياسيين وحزبيين ومن يبتُّ في أمور التشريفات وما شابه. الكثير من الوقائع والحوادث تعبر عن واقع مرير ومعقد ومركب وشديد التشكيك، يخسر صاحب المواقف مرتين، الأولى: بأخذ مضمون المادة بسهولة لصاحب طرف مُحدد، ما يعني خسارته للطرف الثاني، بعيداً عن أيّ توضيحات للمواقف أو سعياً لمنعً من الالتباس حول سعي الكاتب والصحفي لشرح وقائع أو تدوين ملاحظاته وأرائه على أقل تقدير.
الأخلاق والأصول تفرض أن يُكرم صاحب الثوابت في مواقفه الفكرية والثقافية لا أن يُهان أو يُستهان به، بعكس ما يحصل لدى الكُرد في سوريا، وهي الخسارة الثانية: أن أصحاب الطرف المُحتسب لصالحه،-الكاتب والصحفي، هم أنفسهم يسعون للنيل منه أو تقزيمه قدر الممكن، والإعلاء من شأن سُراق الأفكار، وإيلاء الاهتمام بالأغبياء منهم على وجه التحديد.
نقد السياسات الاحتكارية والميل الشمولي والدفاع عن الحقوق الفردية والجماعية والتذكير المستمر بعدالة القضية والخصوصية القومية للهوية الكُردية في سوريا يُقابله المزيد من الإجحاف، في مقابل الركض وراء أشباه الكُتاب والمتطفلين على حقل الثقافة العامة، ودعم وحماية اللصوص الصغار ضمن الأطر المُختلفة، في حالة تُشبه المسلسلات المصرية، حين يبدأ المُحقق عمله وتقصي حقائق الجرائم، فيصطدم بشراكة الكبار، وتصبح الحكمة إغلاق الملف.
أسوء الجمل على مسامع أصحاب الكتابة الجادّة والهادفة، "الصبر يأتي بالفرج" وهي أجملها لدى المتسلحين ببطاقة الوقت والمراهنة على أخلاق ووفاء المُخلصين. ذريعة الصبر والانتظار قدّ تتحول إلى ردود فعل عنيفة تعاكسها بالاتجاه وتزيدها عنفية وشدة بالمفعول.
يُخال إلي أحياناً، أن الحل يكمن في السكوت! لكن الأكثر رسوخاً أن السكوت هو اللاحل. يوازيه، ما لم نعد نتمكن من كتابته والبوح به وقوله علانية، أهم وأخطر وأعمق بكثير مما نتحدث عنه. المشكلة في الوسط الكُردي عامةً، وهو الأمر الذي سعت إليه أطراف عدّة، محاولة تدجين الأفكار، ثم محاولة نفيها من وسطها الذي نشأت فيه، ما يعني السعي لإفلات الفكر من عقالهِ لصالح التشويه والترميز إلى ذلك بالرموز الخاوية من أي معنى واقعي. لم يعد للشباب الكُرد أي مستقبل يُذكر جراء تلك المحاولات، فقد بقي من يتمكن من مقاومة أو منع طمس وعيه وطموحه، أمام نرجسية وعُنفية مُقابليه.
أن المتمترس في الكتّابة عليه أن يكون سباحاً ماهراً في مساحة ضيقة. خاصة وأن الكُتّاب والصحفيين أصحاب الضمير والحالمون بمساحة للتعبير هم الأكثر عرضة للغدر والإهمال. أو علينا نحن الكتّاب الصحفيين أن نتحول إلى شيء يشبه ما أذاعته إحدى المذيعات السوريات حول إحدى المظاهرات ووقوع قتلى وجرحى واعتقالات، على أنه تجمعاً لشكر الله على نعمة المطر.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



.jpg&w=3840&q=75)