أضاعت الثورة البلشفية عام 1917 مخطط سيرغي سازونوف سايكس بيكو "في رسم خط من الحرف (ا) في عكا إلى الحرف الأخير (ك) في كركوك" كما يروي الكاتب البريطاني جيمس بار في كتابه "خط في الرمال" وأسقط الربيع العربي بعد مئة عام وهم المخطط، تاركاً الشرق الأوسط للفوضى والإرهاب الديني القبلي العرقي ليحل محل الهوية الوطنية، محولاً صراع الحضارات إلى صراع الهجرة والتهجير فكيف بدأ الوهم؟.
كانت فكرة إحياء أيدلوجية التاريخ البيزنطي وإلحاق مضيق البوسفور والدردنيل والقسطنطينية بالإمبراطورية الروسية تستقطب اهتمام فلاديمير بوتين بتركيا لاحقية العرش الروسي كوريث مباشر لإيفان الثالث زوج صوفيا باليولوغ ابنة أخت آخر أباطرة بيزنطة موحد الأراضي الروسية قاهر التتار.
لذلك أظهر فلاديمير بوتين تقارباً واضحاً مع الكنيسة الأرثوذكسية كحزب محافظ لروسيا الموحدة تحت شعار المحافظة على وحدة الأراضي الروسية واستقلالها وتطويرها لدولة عظمى، ليحظى بدعم المجمع الكنائسي للبقاء في السلطة وإفشال حملات المعارضة واعتقالها بتهمة "سب الذات الإلهية" بعد التنديد بطرد بوتين من رئاسة الوزراء في شوارع روسيا المتأثرة بالسياسة الأميركية في الشرق الأوسط "الهواء المصري جيد للرئة ويجعل من الساحة الحمراء في موسكو ساحة تحرير".
فعمل صعود اليمين الروسي على تمويل عدد من الأحزاب اليمينية الأوربية منذ غزو شرق أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم كما نشر في تقرير "الغارديان" و"الإندبندنت" عام 2014 لتعميق الانقسام الأوروبي الذي أضاع الديمقراطية الأوروبية ومشروع السلام العالمي تحت أنقاض الفوضى الخلاقة بدعم الجماعات المسلحة والمد الإيراني لتعميق الانقسام المذهبي وإغراق المنطقة بالحروب الدينية والقومية لإعادة التوزيع الجيوسياسي لمناطق النفوذ دون الحاجة إلى سايكس بيكو جديدة.
فإضاعة السياسة الأمريكية الديمقراطية لمشروع السلام أعطى فرصة ذهبية لقتل وتهجير المسيحيين، كالقطرة التي فاضت من الكأس لتصب في مصلحة التدخل الروسي في سوريا بمباركة الكنيسة للحرب المقدسة كرسالة للمسيحيين بعد فشل الأمريكان في أن يكونوا ظهيراً دولياً لهم للتشبث بأرضهم، فجاء الرد المسيحي الشرقي: "لا نريد إطلاقاً دفع ثمن صراعات ونفوذ والعودة إلى القرون الوسطى، ولا نريد الإمبراطورية البيزنطية والبابوية اللتين شنتا حروباً باسم الله، ولا نقبل أيضاً بداعش أو بأي كان يقاتل باسمه".
لقد أدخلت السياسة الأميركية المسيحيين في نفق مظلم من التهجير والقتل وفقد الشارع العربي والمسيحي ثقته في إعمار المحافظات المنكوبة ولم ينهي التواجد الروسي التنظيمات الإسلامية والتغيير الديموغرافي، بل خدم مصالح المتصارعين بفتح الاستثمارات في إيران، ومصر، والعراق من خلال شركات كبرى تمتلك الآن روسيا حصصاً كـ"روسنفت" 30% من امتياز شروق في حقل (ظهر) للغاز المصري و"روسنفت" 60% امتياز إقليم كوردستان العراق، "لوك أويل" 75% من حقل "غرب القرنة 2" البصرة، "غازبروم" 40% من حقل بدرة النفطي في محافظة واسط .
وما نشهده اليوم من السياسة الخارجية الأمريكية هو إعادة لسيناريو الحرب البارده لبدائل الطاقه بدعم منتدى غاز المتوسط لتوحيد التعاون والتكامل بين الأعضاء المنتجين والمسيلين، إسرائيل،الأردن، اليونان، قبرص، وممثلين لإيطاليا والسلطة الفلسطينية بحيادة مصر في القطاع الخاص لإدماج إسرائيل في المحيط الإقليمي العربي واستثمار معاهده السلام المصرية الإسرائيلية والأردنية الإسرائيلية، لإنهاء الارتهان الأوروبي بروسيا والطموح الإيراني من الانطلاق بصادرات الطاقة من الأراضي السورية إلى المتوسط، وباعتراف السياسة الخارجية الأميركية بفشلها السابق في تحقيق ديمقراطية السلام بالانفتاح على إيران يسعى ترامب اليوم "بسلام القوة" إلى إعادة الاستقرار بأحلاف محلية تتصارع فيما بينها لرسم مستقبل سلام شرق أوسطي.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



