في البرازيل يعود تاريخ الفساد إلى عام 1808م، حين وصل الملك جون السادس إلى البلاد هرباً من الثورة الفرنسية التي اجتاحت أوروبا، في ذلك الوقت كان التجار والنخاسون وملاك الأراضي يحكمون البلاد، وكانت كل الأموال محصورة بأيديهم، وكان أكثرهم ثراءاً "أنطونيو لوبيس" الذي وهب عزبة "كينتا دابيلا فيستا" للملك جون وأسرته كي يقيموا فيها وتضم فيلا فخمة في موقع ممتاز، والذي تحول إلى قصر سانت كريستوفر.
ومن هنا بدأ كل شيء، حيث ارتبط المال بالسياسة والنفوذ، وكما قدم التاجر لوبيز للملك جون من هدايا، قدم الكثير من التجار والملاك أراضي وضياع لبقية الأمراء وحاشيتهم كي يستقروا فيها ويمارسوا الحكم بعد أن فروا من البرتغال هرباً من خطر تمدد الثورة الفرنسية التي أطاحت برأس الملك لويس السادس عشر وزوجته أنطوانيت تحت حد المقصلة.
في المقابل نال أنطونيو لوببيس عضوية نظام المسيح العسكري وأصبح الموثق العام لمدينة باراتي ونال ألقاباً عديدة كفارس البيت الملكي والحاكم والسيد، وكذا الأمر بالنسبة لبقية التجار وملاك الأراضي، لتتكون نواة لطبقة سياسية مالية ذات نفوذ وتأثير امتد إلى جباية الضرائب والسيطرة على البلاط، وهكذا بدأ التقليد الأبدي للفساد إلى يومنا هذا في البرازيل.
مازالت وإلى يومنا هذا تتلقى المحاكم البرازيلية التمويل من كبريات شركات المقاولات، وكذلك الأحزاب الحاكمة وأحزاب المعارضة تتلقى نفس الدعم من تلك الشركات الكبرى، وتمول الحكومة والحزب الائتلافي الحاكم.
عملية مغسلة السيارات وعصابة الـ13 حرامي
عملية "مغسلة السيارات" التي هزت البرازيل كانت موضوع كتاب نشره الصحفي البرازيلي "فلاديمير نيتو" عن أكبر عملية لمكافحة الفساد من قبل القضاء عام 2014، والتي ورد فيها اسم حزب الله ونشاطاته المشبوهة من ضمن عمليات تجارة المخدرات وتهريب العملة وغسيل الأموال في أمريكا اللاتينية، والتي كانت تعرف بعصابة الـ13، وهم "كارتل" يجمع أكبر تكتل أو مافيا لأصحاب الشركات والمرتبطة بشركة بتروبراس النفطية.
يسمونه نادي الـ13ولكنه في الواقع عصابة
أكبر 13 مقاولٍ تحالفوا مع السياسيين ورفعوا أسعار تعاقدات شركة "بتروبرازيل" بالمليارات، مليارات الدولارات كانت تؤخذ من المال العام، كانوا يستعينون بشركات الصرافة وتجار العملة لدفع الرشاوي وتهريب الأموال للخارج.
الميتاستاسيس
الفساد كالسرطان، كلاهما مرض يسببه قصور في تنظيم نمو الخلايا في الجسم، وحسب الأبحاث العلمية فإن ما يقرب من 95% من أنواع السرطان تكون بسبب عوامل بيئية، فهو قادر على الانتشار من مكانه الأصلي وإصابة مناطق أخرى في الجسم وهو ما يدعى الـ"ميتاستاسيس"، ومعناها النقيلة أو الانبثاث وهي عملية هجرة أو انتقال الخلايا السرطانية من عضو إلى آخر مثلما ينتقل الفساد ويستشري، ويشار للسرطان في العضو الجديد بالثانوي، والفساد كما السرطان يحتاج إلى علاجات غاية في القسوة، ولكنها لحد الآن لم تثبت فاعليتها بشكل يقضي على المرض، فحتى في وجود كل العلاجات المتاحة فالسرطان والفساد يحاربان لكي يظلا على قيد الحياة ويقضيا على الحياة في ذات الوقت، ويا لها من مفارقة!، ففي معظم الأحيان ينتصران.
حين لا يكون هناك فهم دقيق للطريقة التي يتطور بها المرض "الفساد" والأماكن التي يستطيع الوصول إليها، فلا سبيل للعثور على علاج شاف.
إن فك شفرة الفساد والتي تشكل مربعاً أضلاعه شركات النفط "بتروبرازيل"، المقاولون، تجار العملة، والسياسيون، يضاف إليهم "الكهنوت الديني"، فالحملات الانتخابية في البرازيل ممولة أيضاً من قبل عصابة الـ13، آلية الفساد لها نفس حركة الصور النمطية، نظام عمل يغذي نفسه ويطرد ويلفض كل ما لا ينتمي إليه، الآلية موحدة في كل شيء، من الحكومة إلى الشرطي والموظف المرتشي على مختلف المستويات، إنه نمط، السياسيون يعينون لجان توزيع المشاريع بين نفس المقاولين الكبار، فيبالغون في تسعير المشاريع ثم يعيدون جزءاً من الميزانية المبالغ فيها للسياسيين واللحان في شكل رشاوى.
هنالك من يتأمل المشهد ويصفه في تحليل دقيق. إنه نظام يديم نفسه بنفسه بشكل آلي وميكانيكي. الأثرياء يزدادون ثراءً والفقراء يزدادون فقراً.. ويموتون. لا يوجد حزب سياسي ولا توجد إيدلوجية. لا يوجد يمين ويسار. ممسك الدفه أياً كان عليه أن يحفظ دوران العجلة.. إنه نمط، وهو ما أدى إلى انتخاب كل نائب أو رئيس للحكومة أو البلاد.
من لا يشاركون يُلفظون وينبذون ويستبعدون، فكل شيء مبني وقائم على الآلية والنمطية. إنها أشبه ما تكون بمطاردة بلا نهاية، تطارد مجرماً، وفي الأسبوع الماضي كان هناك مجرم آخر والشهر الماضي والعام الماضي منذ 10 و 15عاماً كنت تطارد دوماً مجرماً أو مجموعة من المجرمين.
واليوم وبينما أنت تقرأ في الوقت الحاضر. هناك شخص مجرم ما يقوم بفعل خاطئ جداً. إنه يؤذي شخصاً آخر أو عدة أشخاص، ونتسائل إن كان هذا الشخص يعرف أنه سيتعرض للأذى أم أنه يتظاهر بأنه لا يعرف؟، أم أن الأمر كله بات لا يهمه.
آلية الفساد سرطان. مفرمة لحم بشرية. لا روح ولا حدود لها ولا فكر. نحن نكافح لكي نعيش وهي تزيد حياتنا وكفاحنا صعوبة. إنها تسخر منا. إنها تهيننا. حين يتمكن منا اليأس نفكر أن هذا الكفاح لا طائل منه وأنه لا يؤدي سوى إلى العدم، ولكننا غير قادرين على الانسحاب. الطرفان غير قادران على الانسحاب.
في 18 ديسمبر 2017 كشفت صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية أن الإدارة الأمريكية في عهد أوباما قد أغلقت تحقيقاً مرتبطا بـ "حزب الله" اللبناني حول قضية تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية من دول أمريكا اللاتينية ومن بينها البرازيل مقابل ضمان استمرارية الاتفاق النووي الإيراني، حيث يُعتقد أن الحزب كان يجمع سنوياً قرابة أكثر من ملياري دولار من تجارة المخدرات والسلاح، الحملة التي أطلق عليها اسم "كاساندرا" أثبتت أن الحزب تحول إلى منظمة لتجارة المخدرات وتهريب السلاح وغسيل الأموال. أشارت "بوليتيكو" إلى أن السلطات الأمريكية استطاعت خرق الشبكة اللبنانية التابعة لحزب الله، ومراقبة كل العناصر العاملة أو المتصلة بها على مدى ثماني سنوات، وكشفت كل عمليات وأسماء الأشخاص المتورطين.
منذ ذاك التاريخ وأنا أتابع ارتباط حزب الله بموضوع الفساد والذي تعدى الحدود الجغرافية لبلد صغير على المتوسط. الكثير مما يجري ببلدنا من فساد يشابه إلى حد كبير ما كان يحصل في بلد مثل البرازيل من فساد. تجربة ونمط وآلية نقلها بكل تفاصيلها حزب الله الذي تنشط مليشياته في العراق كجناح من منظومة متعددة الأطراف انتشرت كسرطان في كل مفاصل وهياكل الدولة العراقية، وكأنما تم نقل الآلية والميكانيكة التي تعمل من خلالها منظومة الفساد في البرازيل وتطبيقها في بلدان تقع تحت سيطرة النفوذ الإيراني وعلى رأسها بلد نفطي مثل العراق.
في مقابلة تلفزيزنية لأحمد الجلبي وهو واحد من مهندسي العملية السياسية في العراق بعد الغزو "الأمري إيراني" 2003 وقبل وفاته على إحدى الفضائيات العراقية وهو فيديو يتم تداوله بصورة مستمرة على قنوات التواصل الاجتماعي، يقول الجلبي إن الدخل القومي العراقي خلال ثماني سنوات من 2008-2014 بلغ 551.8 مليار دولار فقط من بيع النفط، في حين بلغ مجمل حجم الاستيراد خلال نفس الفترة حوالي 115 مليار دولار، وأن أكثر من 300 مليار دولار تم بيعها من قبل البنك المركزي لشركات وبنوك ومكاتب صرافة وهمية أنشأت لهذا الغرض، وتمثل أشخاص وكيانات داخل السلطة، وتم تحويل معظم تلك الأموال إلى حسابات خارجية، أما بقية المبالغ فقد ذهبت إلى مشاريع إنمائية وعمرانية وهمية لم تخرج من ملفاتها إلى حيز التنفيذ الفعلي، وماتت الشكاوى في قبور سراديب لجان النزاهة والعدل.
إنها منظومة تحمي وتديم نفسها من خلال آلية تلفظ وتستبعد كل معوق لها وبشتى الطرق، وتحميها مليشيات مهيمنة وذات نفوذ تستمده من رأس المال المنهوب نفسه.
رئيس البرازيل السابق ""لولا دي سيلفا" وكما يلقبه البعض بباني البرازيل الحديثة ورجل الإصلاح الاقتصادي وشفيع الفقراء، هو الآن نزيل أحد السجون في البرازيل ومنذ أكثر من عامين بتهم فساد مالي وإداري، وذلك بعد حملة التطهير من الفساد والتي كان يقودها "سيرجيو مورو" وهو أحد القضاة الوطنيين والشرفاء منذ سنوات، والذي تم تعيينه وزيراً للعدل قبل بضعة أسابيع.
كنا وما نزال نتمنى لو كان لدينا حاكم مثل دا سلفا، رغم شبهات الفساد التي تلاحقه، فقد ترك خلفه إصلاحات سياسية واجتماعية وعمرانية يشهد لها الشعب البرازيلي، ولا يزال هذا الشعب يخرج بتظاهرات تطالب بحريته وتدعو إلى انتخابه مجدداً رئيساً للبلاد، فالجماهير لم تنسَ ما قام به من أجلها من إصلاحات حقيقية رغم كل الشبهات، وكم كنا أيضاً نتمنى وبشدة أن يكون لدينا قاض وطني نزيه وشريف مثل "سيرجيو مورور" يحمل رأسه بين يديه متحدياً الموت لأجل بلاده، ومن أجل تحقيق العدالة قبل كل شيء. ياليت لدينا عصابة من 13 حرامي فقط، لهانَ الأمر كثيراً جداً، وعذراً للإطالة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.


.jpg&w=3840&q=75)