يقول إميل دوركايم، وهو فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي، وأحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث، في نظريته " الانحراف الاجتماعي"، إن كل أشكال الانحراف مجرد تحد للقمع السائد في الدولة، وهو ليس مفهوماً يؤدي إلى غياب السلطة أو "الاناركست"، دوركايم كان أول شخص يتناول في نظريتة أنه في حال وجود إشكالية مجتمعية يكون الإجرام رد فعل مصاحب لها.
وهذا في مجمله يقودنا إلى مفهوم اللامعيارية، وهي الحالة التي تقل فيها قدرة المجتمع على التوجيه الأخلاقي لأفراده، من خلال ظاهرة خطيرة تتجسد في تضاؤل التزام الناس بالمعايير إلى حدّ يتعطل معه عملها، فتفضي بالمجتمع إلى الفوضى، والصراع التناحري، وارتفاع معدلات الجريمة والانحراف والانتحار، وتؤدي إلى التفسخ والانحلال بالمجتمع نفسه.
كان نوري السعيد رحمه الله آخر رئيس وزراء في العهد الملكي، قتل في اليوم الثاني لثورة تموز 1958 في سياق مجزرة العائلة المالكة في العراق، ودفن بمقبرة الكرخ، وتم نبش قبره من قبل بعض الغوغاء وأخرجت جثته وسُحلت في شوارع بغداد وانتهت إلى "بانزينخانة" الكيلاني في جانب الرصافة حيث تم صب البنزين على ما تبقى منها وإحراقها حتى تفحمها لتصبح كومة من الرماد، وكان مبرر هؤلاء الرعاع من الناس أن نوري السعيد كان عميلاً لبريطانيا والغرب.
مرت عقود طويلة على الدولة والمجتمع، قبل سنوات قليلة مضت مات واحد من سياسيي البازار العراقي الجديد البارزين بعد الغزو 2003، وكان يحمل الجنسية البريطانية ويعتبر من أبرز مهندسي وعرابي الغزو والاحتلال الأجنبي للعراق، وجاء على ظهر الدبابة الأمريكية كما يقال، وحين توفي أقيم له عزاء مهيب ودفن في مرقد خاص ببغداد ليكون مزاراً دينياً، كان فقيد الأمة المنكوبة هذا واحداً من أبرز مهندسي العملية السياسية والتي أعقبت الغزو وأفرزت ما نحن عليه من فوضى وفساد.
لقد مات نوري السعيد بعد أن خدم العراق 38 عاماً ولم يمتلك داراً باسمه أو رصيداً في البنوك، لقد كان يعيش على راتب بسيط، رحم الله نوري السعيد فقد كان رجلاً عراقياً وطنياً شريفاً.
هذان الموقفان لابد من التأمل فيهما على ضوء الواقع المعاش، بعد ظهور الإسلام السياسي والحركات الجهادية كصناعة تستثمر فيها الأموال وتتدخل فيها "البولوتيكا" لتمهد الطريق نحو الفوضى والجريمة والفساد، لا يوجد منطق لما يحدث اليوم من جرائم ومن فوضى.
إن انتشار الجريمة والمخدرات هي ردود أفعال طبيعية للاضطرابات السياسية وضعف السلطة، كانت الحكومات رمزاً للسيطرة من خلال دولة المؤسسات أو مؤسسات الدولة، أما اليوم فقد باتت رمزاً للفوضى المقصودة والمخططة، إن الدافع وراء الفساد هو واحد لا يتغير، لكن الدوافع وراء الجريمة أصبحت في زماننا هذا متغيرة ومضللة، وليست كما تحكي لنا كتب علم النفس وسايكولوجية الجريمة والانحراف السلوكي.
أصبحت هناك جرائم غير مبررة الدوافع وهي نتيجة عوامل كثيرة كالجهل وانتشار المخدرات والظلم الاجتماعي وفوضى السلطة نتيجة تفشي الفساد، والذي دوما ما يكون على حساب التعليم والصحة والخدمات والعدالة الاجتماعية، وهي من أخطر الكوارث الاجتماعية، في ظل غياب كامل لسلطة الدولة.
إن الانحراف المجتمعي الجمعي لهو شيء خطير وكارثي وهو أخطر من أشد أمراض العصر الفتاكة وأكثر تأثيراً من الحروب والاقتتال.
لقد أصبح العالم الذي نعيشه اليوم يسير بشكل لا منطقي، وبالتالي أصبحت الجرائم غير قابلة للتفسير لعدم منطقية دوافعها، رغم أنها أصبحت ظواهر تسم هذا العصر وتتسم بها المجتمعات، ربما يكون السبب هو تزاوج المال والسياسة والدين والتي أنتجت عنصراً غريباً غيّر المعادلة ليغير مدخلات ومخرجات نظريات السلوك الإجرامي، وليصبغه بصبغة جديدة تبتعد به عن الدافع الحقيقي، ولتضيع الحقيقة، بمعنى آخر هو خلق كيانات إرهابية تحت شعارات ومفاهيم دينية أو عنصرية أو شعبوية مدعومة بمال سياسي.
المشكلة الأساسية تكمن في عدم السؤال طلباً للمعرفة كسبيل للتحليل وإيجاد الحلول، لأن التركيز منصب في جانب آخر، فالكل مهتم ومنشغل بشخصنة المشكل القائم وتحديد ملامح المجرم، وشكل وحجم الجريمة والمطالبه بالقصاص والذي يظل مجرد كلام مرسل أو كلمات مدونه في ظل غياب العدالة وتسييس القانون.
المشكلة ليست في الأشخاص بل تتعداهم بكثير وأكثر مما يمكن أن نتصور، فحين يمرض المجتمع ففهو يحتاج إلى فترة علاج طويلة جداً وفترة نقاهة أطول لكي يبدأ رحلة التماثل للشفاء، وهذه لا يأتي لوحده أو فقط من خلال التمني أو مجرد الدعاء، بل يأتي أحياناً بشكل عرضي أو كأضرار أو منافع جانبية غير مبررة أو محسوبة لشيء أكبر يتجاوز محنتنا التي باتت ظاهرة مرضية، أي بمعنى آخر أن تكون هناك حلول وتوافقات سياسية وأمنية لحل أزمة معينة تعتمد على حل أزمة أخرى، أو أنها ستؤثر بشكل مباشر على الظروف الموضوعية لأزمة أخرى مرتبطة، مما يؤدي إلى انفراجتها، وهو ما يقصد هنا بالمنافع الجانبية أو العرضية وهي موجودة على أرض الواقع كما هي حال الأضرار الجانبية أو العرضية، وأوضح مثال على هذه الإشكالية هو تمني الكثيرين أن يكون التغير في سياسة أمريكا في سوريا من خلال سحب قواتها، سيكون في صالح الشعب العراقي لتخلصه من النفوذ الإيراني، والتي هي نفسها جلبته معها ومهدت له السبيل، لتكون أمريكا هي المحتل والمنقذ المخلص، وهذه إشكالية فكرية ظهرت في خضم يأس مجتمعي في التغيير، ورغم قصورها فهي تبقى فرضية أقرب للتمني، في ظل غياب إرادة حقيقية وطنية تطمح وتصبو نحو الإصلاح كوسيلة وهدف، وهو طريق غير معبد ترك عمداً كصواب مهجور وربما سيظل كذلك إلى حين.
ولكننا اليوم في مجتمعاتنا وفي ظل غياب الدولة والفوضى السائدة بتنا نواجه إجرام الدولة نفسها وهي حالة أشبه بمافيا الجريمة المنظمة، وهذه واحدة من أكبر مشاكل مجتمعاتنا، وهي الإجرام نفسه، من خلال توقير وتقديس الجريمة وجعلها سياقاً مجتمعياً متداولاً، وتسليط الضوء على الطبقة الفاسدة بمختلف أطيافها دينية سياسية أم سواها، وتقديمها كنخبة مجتمعية تقود وتتفرد، نحو التفكك المقصود والمُبيَّت.
إنَّ قصور المنظور الأمني للإشكالية وتعمد إهمال سبل معالجتها، هو المدخل الرئيسي للمرض الاجتماعي، وهو سلوك يختلف عن منهجية منظور العلم الاجتماعي الذي يعكس حالة المجتمع تحت ظروف قياسية قاسية تؤدي إلى نتائج كارثية قد تَسِمُ أكثر من جيل بكامله وتتعداهـ فهنا يصبح غياب العامل الأمني كأداة للتصحيح هو مطلب أساسي لنشر الفوضى وتدمير المجتمع، بعد أن تم تدمير الدولة بمفهومها المؤسسي.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



