من الممكن أن تكون تصريحات أردوغان ضمن خانة الضغط على أمريكا، خاصة بعد اقتراب دخول أتفاق منبج بين الدولتين حيز التنفيذ. لكن جدّية القضية اليوم تتمركز حول عدة نقاط متشابكة ومتداخلة:
1-نقاط المراقبة الأمريكية على الحدود الكُردية التركية تُشكل تهديداً للأمن القومي التركي وفق ما تتصوره تركيا؛ ما يعني عجزها –لو نُفذت النقاط بالشكل المطروح- عن ملاحقة أو مهاجمة أو محاربة الإتحاد الديمقراطي الذي تصر تركيا على عدم قطعه للعلاقات مع العمال الكُردستاني. بالمجمل ثمة صراع وجودي بين الطرفين ومع توقف عملية السلام فإن الحرب ستكون سيد الموقف.
2ميزة التهديدات هذه المرة إنها حصرت العملية بــ" خلال أيام" أيّ أن الوضع الأمني والعسكري قد دخل حيز الاستنفار في انتظار إشارة البدء. الموقف الجديد رُبما يفصح عن أحد احتمالين أولهما تغيير أمريكا لخارطة نقاط المراقبة، بعد رفض الأخيرة تغييرها سابقاً، وهو ما فُهم بعدم الاكتراث بالهاجس التركي من التواجد الكُردي في المنطقة، أو ربما تتفهم أمريكا أن تركيا هي المستفيدة من تواجد قسد واتخاذها كذريعة للتدخل، أو ثانيتهما تعرض بعض المناطق مثل (تل أبيض، أو منبج، أو كوباني) لقصف جوي أو صاروخي، سيترتب على نتائجه تغيير في خارطة موازين القوى والهرمية الأمنية والعسكرية لتلك المنطقة، وأن كان التدخل البري مُستبعداً حالياً، بسبب التواجد الأمريكي.
3-ربما تلجأ أمريكا إلى حسم قضية منبج. حيث يصفها أردوغان بالمدينة التي تبلغ نسبة العرب فيها من %85-80، وتبقى كلمة أهالي المدنية هي الفيصل بين النسب المتنازعة بين طروحات الطرفين
4-الخلاف التركي – الأمريكي حول مساندة الأخيرة لقوات "قسد" في حربها ضد "داعش" جعلت من التقارب التركي –الروسي ممكن جداً. خاصة وأن الأخيرة مستمرة في نشر دعاية تشكيل أمركيا لجيش كُردي وإنشاء دويلة كُردية شرق الفرات. وربما تسعى روسيا للاستفادة من الصراع التركي السعودي الإيراني القطري على زعامة العالم الإسلامي في المنطقة ومشروع الهلال الشيعي ونتائج التحالفات في سبيل تنفيذ أيَّ من المشروعين.
بُكاء كُردي
يُقابل التهديدات التركيا، زيادة حدّية المسبات الكُردية. يعتقد جُل القائمين على مجلس سوريا الديمقراطي وعموده الفقري الإتحاد الديمقراطي إن التعويل على اتهام تركيا وإردوغان بالقوات الغازية أو الراغبة في احتلال مدن كُردية وأخرى خليط عرقي، وثالثة عربية صرفة، سيستجلب التعاطف الشعبي الكُردي معهم. متناسيين أن نتائج سياساتهم العنفية والتفريض بالعمق الاستراتيجي الكُردي لهم ولمشاريعهم قد أوصلت القطيعة الشعبية تجاههم إلى حد يُمكن وصفه بالمرحلة ما قبل النهائية والحاملة لاتهامات جمة لهم بالتسبب في أوجاعهم وإمكانية خسارة المزيد من الجغرافية الكُردية.
فقد خسرت قوات "قسد" مواجهاتها العسكرية مع تركيا مرتين، أولاهما خلال عملية "درع الفرات" في صيف 2016 والتي استمرت حتى أذار 2017 وفقدت المناطق التي كانت تسعى لضمها إلى كيانها في غرب الفرات، وثانيتهما خلال عملية "غصن الزيتون" ولم تستغرق سوى شهرين فقط، أخلت تركيا بنتائجها أيَّ تواجدً كُردي عسكري في عفرين، وضعف جُل التواجد الكُردي السياسي أو المدني في المدينة بعد العملية.
لم يعد يشفع للمجلس الكُردي، انحساره لصالح الحل السلمي السياسي للقضية الوطنية السورية والقومية الكُردية. كما لن يُفيده عدم مشاركته في الحكومة المؤقتة للمعارضة السورية. فالتدخل التركي سيكون بواجهة كتائب عسكرية للمعارضة السورية. ويدرك المجلس جيداً التعقيد السياسي والاقتصادي والأمني والجغرافي للقضية الكُردية بدخول تلك الأطراف إلى قامشلو وكوباني وديرك، على غرار ما حصل في عفرين من قتل ونهب وضرب على الهوية، والاتهامات التي تطال تلك الأطراف العسكرية بالتغيير الديمغرافي للمدينة.
كما في كل مرة. سيلجأ الإتحاد الديمقراطي إلى اتهام تركيا باستهداف مشروعهم الديمقراطي الأممي، وكراهيتها لهم ولطروحاتهم في العيش المشترك وما شابه. دون أي استفادة من نتائج الهزيمة مرتين في عفرين وغرب الفرات. ولن يجد المجلس الكُردي أي حرج في استمراره ضمن المعارضة كونها الورقة الوحيدة بيده ضمن لعبة البقاء في حلبة الصراع السوري. وفي الوقت الذي تتأهب مختلف أطراف الصراع للدخول في الحل السياسي، فإن الكُرد لم يتفقوا بعد على صيغة للشراكة أو العداء، أو حتى اصطفاف تكتيكي تخفف من حدة الاحتقان في الشارع الكُردي.
قوات تركية وعربية
هاجس تواجد القوات السعودية الإماراتية في شرق الفرات، لا يقل عن مثيله للعمال الكُردستاني بالنسبة لتركيا. خاصة بعد الوعود السعودية بمنح 100 مليون دولار لتنمية مناطق النفوذ الأمريكي. القلق التركي يتمحور حول:
1.تسعى السعودية مدعومة بالأمارات للسيطرة على العالم الإسلامي عبر قطع الطريق أمام الهلال الشيعي الإيراني، لذا فإن تواجد قوات عربية في شرق حلب، وبالقرب من عين عيسى، ودير الزور وغيرها رُبما تدفع المنطقة في بدايات2019 نحو حرب أشرس وأسوء من السنوات الثمان الماضية في سوريا. فالنزاع الوجودي الإيراني السعودي يُلزم الطرف الأخير بالتنسيق مع الجانب الأمريكي للحدّ من الخط البري الواصل بين طهران والضاحية الجنوبية في لبنان عبر الأراضي السورية. وستكون أسواق العراق وسوريا مفتوحة بالكامل أمام المنتجات الإيرانية أو السعودية وفق نظرية لمن تكون الغلبة. وفق ذلك لن تجد تركيا لا حرجاً ولا استحياءً من تأمين موضع قدم لها في لعبة الجغرافية الاقتصادية القادمة، والدور التركي في العالمين العربي والإسلامي.
2 .تسببت روسيا عام2009 بمنع تنفيذ مشروع المشترك بين قطر والسعودية وتركيا، لنقل الغاز عبر سوريا إلى تركيا ومنه إلى أوربا، كم تسبب الحدث السوري بتوقف مشروع نقل الغاز الإيراني عبر سوريا إلى المتوسط ومنه إلى أوربا. وبعد دخول الأزمة السورية إلى بدايات الحل السياسي، كان من الطبيعي استحداث فرز جديد للتحالفات الإقليمية والدولية. وقدّ تكون قضية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي إحدى المقايضات الإقليمية ما بين تركيا والسعودية حول تواجد قوات "قسد" شرق الفرات وإعادة ترميم العلاقات والشراكة بين أطراف مشروع الغاز في 2009 بغطاء أمريكي، أو تحريك ملف اغتيال الصحفي والدخول في تفاهمات تركيا إيرانية بغطاء روسي.
من الصعب التكهن حالياً بالتوزيع الجديد لخارطة التحالفات. لكن المؤكد أن السعودية ستتحرك بقوة نحو شرق الفرات، لزيادة الضغط على إيران بعد اليمن، وتحصل حصتها من الصراع السوري. ويقابله إصرار تُركي على ضم المزيد من الأراضي إلى حصتها وعدم التفريط بالفرصة السانحة لإعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية واللعب على التناقضات الدولية والإقليمية.
إقليم كوردستان الملاذ الأخير
كأيّ طرف إقليمي، بغض النظر عن قوته وحجمه. فإن الخطوات المتسارعة والجهود المبذولة بغية ترميم البيت الداخلي، والاتفاق على صيغ توافقية للتواجد الكُردي في بغداد وحكومة الإقليم سينعكس سلباً أو إيجابا على الوضع الكُردي في سوريا، يتناسب طرداً وحجم الطرف الكُردستاني المدعم دولياً. ولن يجد المجلس الوطني الكُردي سوى هولير لإنقاذه وانتشاله وإعادة ترميمه من جديد، وسيبقى الدور على الإتحاد الديمقراطي لتغيير بوصلته ونفسيته وعقليته، والإسراع نحو الإقليم، أو البقاء وحيداً والتضحية الأمريكية به بعد عفرين والدور الروسي.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



.jpg&w=3840&q=75)