لطالما كانت هلسنكي جزءاً من الإمبراطورية الروسية في زمن القياصرة، قبل أن تمنحها الثورة البلشفية الاشتراكية عام 1917 حق تقرير المصير والانفصال عن روسيا السوفييتية، وهي ابنة بحر البلطيق وأهم مدنه الساحلية عرفت "بالأرض المحايدة"، جمعت الولايات المتحدة وروسيا بوثيقة انفراج الحرب الباردة.
لم يغفل الاتحاد السوفييتي دور وثيقة هلسنكي 1975 في تقويض حلف "وارسو" وسقوط إمبراطورية الاتحاد السوفييتي عام 1991 بعد انهيار جدار برلين وانضمام ألمانيا الشرقية لحلف "الناتو" وتوحد الاتحاد الأوربي تحت منظومة أمن وتعاون إقليمي برعاية الولايات المتحدة، لحماية شرق أوروبا من خطر الوجود السوفييتي العسكري على أراضي الدول الأعضاء، مهدداً أمن النظام الرأسمالي الديمقراطي، فكانت الحاجه لإنشاء كيانات فوق الدولة القومية متمثلة بمؤسسات أممية، مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، وإقليمية "مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة الدول الآسيوية والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي"، لتحقيق أمن وتعاون إقليمي شرق أوسطي ينزع فتيل قيام حرب عالمية ثالثة.
ولما أضعفت الولايات المتحدة دور الأمم المتحدة وأخضعتها لقرارات البيت الأبيض بتحويلها إلى "منظمة حبر على ورق" كخطوة أولى تلتها خطوات تهديد الانسحاب من منظمة التجارة العالمية إذا لم تجرِ المنظمة الدولية إصلاحات تتناسب مع شروط ترامب، استشعرت أوروبا خطورة التقارب الأمريكي الروسي وتهديد مصالحها بمشروع غاز "نوردستريم" الذي يربط روسيا بأوروبا، وضعط الولايات المتحدة على مجموعة 5+1 للانسحاب من الاتفاق الأوروبي الإيراني المتعلق بالملف النووي، وتحشيد قوات الناتو شرق أوروبا، دافعاً الألمان باتجاه اليابان والصين تجارياً وسياسياً، من أجل مواجهة سياسات ترامب.
كانت تلك مقدمات دعت الرئيس الفرنسي ماكرون إلى دعوة أوروبا لبناء نظام أمني أوروبي جديد بديل عن حلف شمال الأطلسي "الناتو" لحماية أوروبا من الصين وروسيا والولايات المتحدة خشية العودة إلى ما كانت عليه بين الحربين العالميتين، وبتهميش ترامب للدور البريطاني بعد استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي أدركت بريطانيا حجم الخسارة الاقتصادية والخطر الأمني المحدق بها بغياب الخطة البديلة لحزب اليمين من استفتاء الخروج أمام خطورة إحياء المشروع القومي الذي تبناه ترامب، والذي فسر تصويت الأمريكان له بحدوث انتقال من معسكر الليبرالية العالمية إلى معسكر القومية الشعبوية، فلم يكن مصادفة أن حاز ترامب على دعم قوي من قبل زعيم حزب الاستقلال البريطاني نايجيل فاراج، وزعيمة الجبهة القومية في فرنسا ماري لو بان، فإذا ما بدأت الولايات المتحدة بالتصرف بشكل أحادي لتغيير شروط الاتفاقيات المبرمة بينها وبين الدول الأخرى فلن يتورع كثير من اللاعبين الأقوياء حول العالم عن الانتقام، مما سيشعل شرارة انهيار اقتصادي شبيه بذلك الذي وقع في ثلاثينيات القرن العشرين وينهار شكل الولايات المتحدة كرمز للديمقراطية في أعين الشعوب التي ترزح تحت حكم الأنظمة السلطوية.
لذلك دعت الحاجة إلى اتفاقية هلسنكي جديدة لحل مشاكل الشرق الأوسط تدخل فيها منظومة التحالف الإيراني-القطري-التركي-العراقي-السوري، برعاية الاتحاد السوفييتي الذي تشكل لمحاربة داعش عام 2015 مع حلف "الناتو العربي" لدول الخليج ومصر والأردن بقيادة الولايات المتحدة لضمان توازن القوى في مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يدعو إلى نظام تجاري استثماي مفتوح يعتمد في بقائه واستمراره على قوة الولايات المتحدة الأميركية وعلى نفوذها المهيمن.
كشفت الزيارة الأخيرة لبرهم صالح إلى إيران وتوقيع اتفاقيات تجارية معها وتصريحه أنّ "العراق ليس جزءاً من منظومة العقوبات أو الاعتداء على أي دولة، ويراعي مصالحه أولاً، وموقفنا شبيه بالموقف الأوروبي وروسيا والصين واليابان، وهو حفظ المصالح الوطنية وبدون ضرر أو ضرار على الآخر، كما لا يريد أن يكون جزءاً من الصراع، وهو ليس طرفاً فيه"، إلى اقتراب إعلان الاتفاقية لتحديد دور إسرائيل في المنطقه بين التحالفين .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



