يقول عالم الإجتماع العراقي علي الوردي : “إن سرعة التصديق وسرعة الإنكار كلاهما يدلان على سذاجة غير محمودة” .
إلى متى نبقى في حالة الرئيس والمرؤوس ، ولي الأمر والمذنب ، والحاشية التي تمارس الطاعة المُطلقة لصاحب القرار معتبرينهُ معصوماً من الخطأ مبررين أقوالهُ وأفعالهُ خدمة للصالح العام، بهذا السلوك نحن من نصنع المستبد والديكتاتور بالسمع والطاعة وتنفيذ الأمر دون نقاش وتبادل للاراء ورفض الخطأ وتصحيح وتقويم حتى الصواب ..!
هل هناك اسوأ من أن يتعدى مدير مدرسة أو معلم بالضرب على طالب ؟
نعم هنالك ماهو أسوء عندما تتم محاسبة المذنب بأسلوب لا يولد إلا خطأ ، ومصيبة أكبر !
من قال لهم أن السوشيال ميديا وجدت لنشر بطولاتهم في إحقاق الحق كأن توبخ مدير بصفتك مُحافظ !
هذا الإزدراء بالانسان مهما كان الذنب الذي ارتكبهُ غير مباح لكَ فقط لأنك في مركز سلطة .
وبدل من إصلاحنا للمؤسسة التعليمية نطيح ببُنيانها المتصدعة أكثر فأكثر ، وكان آخر هذهِ المظاهر السلبية ما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام ، من خلال مقطع فيديو يظهر فيه محافظ نينوى نوفل العاكوب وهو "يوبخ" مدير مدرسة بعد اقدام الأخير على ضرب تلاميذ مدرسته.
لم يكتفي بممارسة إسلوب فض وغير لائق مع المدير بل راح لماهو أكثر فضاعة و قام بنشر ذلك للعامة على مواقع التوصل الإجتماعي هل يعي السادة المسؤولين عن النشر في الصفحة الرسمية الخاصة بالسيد المحافظ العقوبات و المسائلة القانونية التي من الممكن أن يكونوا أمامها لو فكر المدير برفع دعوى قضائية ضدهم بسبب التشهير بهِ خارج أطار قانون إنضباط الموظفين !
ما فائدة القانون في حالات كهذهِ ، والمئات غيرها ؟
الكثير من التساؤلات وعلامات التعجب التي تقف خرساء صامتة أمام فعاليات السادة المسؤولين في العراق كل يوم أو يومين تظهر لنا قضايا تستخف بالإنسان وقيمتهُ وكيانهُ كمواطن عراقي قبل كل شيء ..
كل ذلك يحصل بسبب عراقيتنا التي باتت مُرهقة !
وإن تتبعنا واقع الحال داخل المؤوسسات التعليمية في العراق سنجد إنها ثقافة متوراثة ومتفشية جيلاً بعد جيل فهناك معلّمون كثر يمارسون تعنيف التلاميذ وضربهم معتبرين ذلك امراً طبيعيًا لجعل التلامذة مطيعين ، لتأدية واجباتهم المدرسيّة والإلتزام بالسلوك الجيدة والإنضباط داخل الصف ... بالرغم من التعميمات الصادرة عن وزارة التربية والتي تمنع ممارسة ضرب الطلاب ، ياترى هل هكذا نحن نربي ونعلم !؟
وبذلك باءت بالفشل دعوات وزارة التربية والقائمين عليها بتوجيه الكادر التدريسي إلى تجنب العنف في العملية التربوية وإستخدام أسلوب حضاري توعوي وإرشاد التلامذة نحو وجهة صحيحية وتوفير بيئة تعليمية سليمة .
لاسيما وأن الطلبة والتلاميذ في كافة محافظات العراق يتعرضون لأشكال متعددة من التعنيف والإيذاء اللفظي والجسدي من قبل المعلمين والمدرسين وخاصة في المدارس الابتدائية والمتوسطة مما دفع بعض أوياء الأمور توجيه أبنائهم للألتحاق في مدارس أهلية والتي غالباً ما تخلوا من ظاهرة الإعتداء بالضرب .
بينما يقرر البعض الأخر ترك التعليم نهائياً وهجر مقاعد الدراسة خوفاً من العقوبات التي تقع عليهم ، فيما تلقى مثل هذهِ القرارت تشجيع من الأسر ذات المستوى المعيشي المنخفظ لتوجيه الأبناء نحو العمل لكسب المال وإعالة الأهل ونلاحظ تدني مستويات التعليم وارتفاع هذهِ الظواهر في المحافظات والقُرى البعيدة عن المُدن .
ومن الجدير بالذكر إنّ استخدام العنف في التعليم يترك آثاراً نفسيّة جسيمة على التلامذة المعنفين . وأبرز هذه الآثار هي زرع روح العنف في نفوسهم ليصبح أسلوباً يتبعوه في حياتهم لحل كافة المشكلات مستقبلاً لاسيما وأن العنف لا يقتصر على المدارس فقط بل هناك العنف المنزلي بأوجه متعددة من قبل الأهل لإنشاء أجيال تؤمن بالسلوك العدواني كوسيلة وحيدة للحصول على حقوقها .
للجهل وتخلف المجتمعات عدة أوجه وسلسلة من الأسباب العنف وممارستهُ بوحشية هو أحد وجوهها لما لهُ من آثار بعيدة المدى أولها العيش داخل كهف السلطة المظلم بمؤوسسات تُدار من قبل شخصيات بأساليب رجعية مازالت متجذرة منذ ثلاثون عام وأكثر عبور أجيال معنفة تكرر ممارسة ذات الأساليب الخاطئة على ابنائها مستقبلاً مستخدمين العصا والتلقين والحفظ وإيقاف عجلة العقل عن التفكير والتساؤل !
وبالعودة إلى نوايا السيد المحافظ من هذهِ الفعاليات وتوبيخ المدير بهذا الشكل كان هدفه التبجيل والتصفيق كما فعل ممن كانوا يجلسون حوله في الإجتماع بينما كان ينفث في وجوههم دخان سيجارته وهم يؤيدون كل كلمة يقولها وكأنه ينطق بالحكم العادل !
كونه وقف مع الطالب الذي قد يكون ذنبهُ أكبر من ذنب ضرب المدير لهُ ..لكنهُ لقى العكس تماماً فالمجتمع العراقي ماعاد يسمح بمعالجة الخطأ بخطأ أفدح تلقى معارضة من قبل الناس على أسلوبهُ السيء وبدل أن يكون أيقونة عدل ، تحول لحديث الساعة كأسوء شخصية مسؤولة توثق خروقاتها بالصوت والصورة .
كان يجب أن يُختم المقال عند هذهِ النقطة
لكن خلال هذهِ الساعات تغير السيناريو حيث إتجه السيد المحافط إلى بيت المدير وتم تصوير اللقاء والتراضي والصُلح المعلن والموثق أيضاً على مواقع التواصل ، وتم تداول فيديو آخر لمدير المدرسة يتم فيه استقبالهُ بهُتافات وبهجة من قبل طلابهُ ..
العجب العجب علينا حين نعطي الأحداث والأشخاص مساحات واسعة من الثقة لا تتناسب و مكانتهم و لا تنسجم مع واقع الحال الذي نعيشه .!
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.


