أثار خبر نشر مؤخراً جميع وسائل الإعلام في دول الخليج وسائر الدول الإسلامية، ألا وهو خبر زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى عمان. إن زيارات رؤساء الدول إلى دول أخرى هي بحد ذاتها من الأخبار الهامة، لكن زيارة رئيس وزراء إسرائيل إلى دولة مسلمة عربية أهم بكثير، لذا سنحاول البحث في هذه الزيارة بالتفصيل من خلال هذا المقال.
تحمل هذه الزيارة في ثناياها الكثير من الأسئلة، ومن خلال محاولة الإجابة عنها سنتبين أهمية الزيارة. مثلاً، هل تعني هذه الزيارة إذابة الجليد في العلاقات بين إسرائيل والدول المسلمة (العربية)؟ هل محور الزيارة يقتصر على العلاقات بين عمان وإسرائيل، أو أزمات الشرق الأوسط والخليج كمسألتي إيران وفلسطين؟ ما مدى قبول تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية من قبل الرأي العام في هذه الدول؟ ولماذا عمان؟ وأسئلة أخرى كثيرة.
رغم أن هذه ليست الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس وزراء إسرائيلي إلى عمان، فقد زارها من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إسحق رابين، في العام 1994، وزار وزير الخارجية العماني إسرائيل في العام 1995، كما التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي، شمعون بيريز، في العام 1996 سلطان عمان، وكان ثم لقاء في العام 2008 بين وزيري خارجية إسرائيل وعمان. بعد ذلك انتابت علاقاتهما نوبة فتور، ويجب أن نأخذ في الحسبان بأن هذه هي الزيارة الأولى لرئيس وزراء إسرائيل إلى عمان منذ 22 سنة.
هل تعني هذه الزيارة إذابة الجليد في العلاقات بين إسرائيل والدول العربية؟
نعم ولا. لأن إسرائيل لم تبد حتى الآن أية مرونة أو انفتاح على حل مسألة فلسطين، كما أن الدول العربية ليست مستعدة لتجاوز المسألة الفلسطينية بسهولة. بل أن إصرار وضغوط أمريكا والعالم الغربي لم تستطع أن تجعل الدول العربية أكثر مرونة تجاه إسرائيل ولم تجعل جانب إسرائيل يلين تجاه فلسطين. الدول الإسلامية والعربية ترى أن جرح فلسطين على الجسد الإسلامي مازال ينزف، لذا أرى أن الطريق طويل جداً أمام العثور على حل حقيقي لمسألة فلسطين والتطبيع الحقيقي لعلاقات إسرائيل والدول العربية، لأنه حتى في حال قبول الدول العربية بهذا التطبيع، فإن الشعوب العربية ورأيها العام لن تقبل بذلك قبل الحل الحقيقي لمسألة فلسطين، ما يعني أن العلاقات المعلنة المتعددة الوجوه مع إسرائيل لا تزال من المحظورات في أغلب الدول العربية. لكن فيما يخص العلاقات السرية، فإن الوضع مختلف، لأن هناك عاملاً هاماً جداً يحرك لقاءات وعلاقات الدول العربية مع إسرائيل، وهذا العامل هو مسألة إيران وازدياد نفوذ هذه الدولة المتنامي باستمرار في المنطقة. لهذا أعتقد أن المرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية هو الغائب الحاضر دوماً في جلسات نتنياهو والمسؤولين العرب. قد تختلف إسرائيل مع الدول العربية في أمور كثيرة، لكن الجانبين متفقان تماماً في أمر واحد، وهو أن إيران قوية مسلحة بالسلاح النووي خط أحمر بالنسبة للكل. لذا فإن هذه الزيارة في هذا التوقيت وعلى أساس هذه المخاوف المشتركة، يمكن أن تصبح بداية لهدف تطبيع علاقات إسرائيل بالدول العربية.
هل يقتصر محور الزيارة على العلاقات بين عمان وإسرائيل، أو يتعداها إلى أزمات الشرق الأوسط والخليج أيضاً؟
يمكننا أن نجزم واثقين بأن نتنياهو والسلطان قابوس تحدثا بالدرجة الأولى عن مسألة إيران وبالدرجة الثانية عن مسألة فلسطين، أكثر من الحديث عن مسألة العلاقات الثنائية، وهناك على الأقل سببان ومبرران لأدعي هذا. فبخصوص الأولى وهي مسألة إيران أريد الإشارة إلى زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتن، إلى آذربيجان، والتي تزامنت مع زيارة نتنياهو إلى عمان.
عند الأخذ في الاعتبار بأن جمهورية آذربيجان وسلطنة عمان جارتان هامتان لإيران، ونستطيع القول بأنهما الجارتان الوحيدتان اللتان تتمتعان بعلاقات صحيحة ومتوازنة مع إيران، في حين أن آذربيجان ترتبط بأفضل العلاقات مع إسرائيل، وأعتقد أن أمريكا من خلال تنظيم هاتين الزيارتين في وقت واحد، تريد إرسال إشارة إلى إيران مفادها أنه في حال رفضها الشروط الأمريكية، فإن خندق المشاكل والصراعات سينتقل إلى هاتين الدولتين اللتين تمثلان بشكل من الأشكال الباحة الخلفية لإيران. آذربيجان هامة بالنسبة إلى إيران، لأن الآذريين يشكلون مكوناً كبيراً في إيران وهم المكون الذي يسبب أقل المشاكل للجمهورية الإسلامية، وتعلم أمريكا وكذلك إيران، جيداً، أن هذا المكون عند الأخذ بحركاته السابقة، كتلك التي قادها جعفر بيشوري، يستطيع أن يصبح مصدر قلق جديد لإيران، وهو ما لا تريده إيران أبداً. عمان أيضاً هامة، لأنها الدولة الخليجية الوحيدة التي تقف موقف الحياد بين إيران والسعودية.
لماذا عمان؟
لو جلنا بالنظر في أزمات منطقة الخليج والشرق الأوسط، يتبين لنا أن لعمان تجربة ناجحة في الوساطة بين الأطراف والتخلص من الأزمات، وأقرب مثال هو توسط عمان بين إيران وأمريكا في الاتفاقية النووية بين إيران وأمريكا في السنتين الأخيرتين من عهد أوباما، وهي الاتفاقية التي عرفت بـ(إيران و5+1)، وكان السلطان قابوس وسيطاً فيها ولعب دوراً رئيساً.
إيران تثق في عمان إلى حد بعيد، لأنها الدولة الخليجية الوحيدة التي تقف في متنصف الطريق بين إيران والسعودية، ولا يمكن القول إنها إلى جانب السعودية. كما أن عمان هي الدولة الخليجية الوحيدة المختلفة عن الآخرين مذهبياً، فلا هي سنية ولا شيعية، فغالبية العمانيين ومنهم سلطانهم مسلمون من الطائفة الإباضية، والإسلام هو الدين الرسمي والإباضية هي الطائفة الرسمية لتلك الدولة، وهذا أكثر قبولاً من جانب كل من إسرائيل وإيران. كما تعتبر عمان، والسلطان قابوس نفسه مديناً لإيران، والشاه محمد رضا بهلوي على وجه الخصوص، بتاجه وعرشه، حيث أن جيش الشاه الإيراني هاجم في السنة الهجرية 1352 خصوم السلطان في محافظة ظفار الذين كانوا يريدون الانفصال عن السلطنة، بقواته البرية والجوية وأنقذ سلطنة عمان من السقوط، ووفاء لهذا الدين، زار السلطان قابوس إيران في العام 1388 هجري عندما كانت إيران في منتهى العزلة بسبب استياء حركة الخضر، فأبرزت وسائل الإعلام الإيرانية تلك الزيارة كإعلان عن الخروج من حالة العزلة.
كما تعتبر عمان بفضل موقعها الجغرافي واحدة من أهم دول الخليج، حيث تقع على الممر الستراتيجي – الطاقوي لمضيق هرمز، وبهذا يمكن القول إنها تتمتع بأهم موقع جيوسياسي بين دول الخليج العربية. كما أن موقع عمان الخاص غرب المحيط الهندي بفضل جزيرة (مصيرة) يجعلها على مفترق طرق برية وجوية وبحرية، يضاعف أهميتها من الناحية العسكرية. كل ما ذكرنا أسباب تجعل أمريكا تختار عمان لحل العلاقة بين إسرائيل والدول العربية وللتوسط للوصول إلى اتفاق جديد مع إيران.
ختاما، ليس من المتوقع أن يشهد تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية الحفاوة المرجوة، وهذه البداية هي نتيجة لتصرفات إيران تجاه الدول العربية، خاصة بعد فقدها سطوتها ثم موت شخصيات كهاشمي رفسنجاني، وليست نتيجة تغيير ملحوظ في الوضع بين الدول العربية وإسرائيل. حتى أن إسرائيل لكونها غير واثقة من استقبال رئيس وزرائها بحفاوة من جانب السلطان قابوس، أحجمت عن الإعلان عن الزيارة مسبقاً، بل نشرت وسائل الإعلام مشاهد من الزيارة بعد عودة نتنياهو، ومع أن إيران لم تبد انزعاجاً شديداً من الزيارة، ولم تستدع سفير عمان إلى وزارة الخارجية، ولم تتخذ مواقف على مستوى عال، بل اكتفت بإدانتها من قبل المتحدث باسم وزارة خارجيتها، فإن الرأي العام العربي مازال رافضاً لهذا التصرف الذي وصفه المتحدث باسم حركة حماس بأنه "طعنة لفلسطين في الظهر".
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.


