كانت لتعددية السياسية والقومية والدينية تأثيرات كبيرة على الوضع العراقي وشكل حكوماته المتتالية منذ 2003, حيث لم يتمكن أي حزب سياسي أن يحقق الأغلبية التي تمكنه الانفراد بتشكيل الحكومة بوحده, وهذا ما حتم على الاحزاب السياسية اللجوء الى تكوين الائتلافات من أجل تكوين هذه الاغلبية, وطغى هذا الوضع على شكل الحكومات العراقية وجعل منها حكومات ائتلافية, فبالرغم من اهمية التعددية السياسية والحكومة الائتلافية حيث تتضمن جميع الاشكال والالوان, الا ان مايؤخذ عليها هي كونها حكومة ضعيفة وتعمل دائما على ارضاء وخدمة الاحزاب و ليس الشعب, لأن هذه الحكومة غالبا ما تبنى على أساس صفقات سياسية حيث تقوم الكتلة الاكبر بالمساومة وقطع الوعود للأحزاب السياسية الصغيرة من أجل الانضمام إليها و تكوين الائتلاف, وبالتالي تصبح هذه الاحزاب اداة ضغط على رئيس الحكومة و يجد نفسه بين خيارين, إما تلبية مطالب هذه الاحزاب, او مواجهة كابوس نهاية حكومته وهذا ما يجعل همه الأكبر استمرار حكومته بدلا من التفكير بكيفية تنفيذ البرنامج الحكومي أو الوعود الانتخابية. وايضا ما يؤخذ على الحكومة الائتلافية هي غياب وضياع المسؤولية, كونها تعود الى احزاب عدة وكل حزب يلقي بعبء الفشل على عاتق الآخرين.
وحيث يمتلك الشيعة الاغلبية البرلمانية في العراق فقد جرى تخصيص منصب رئيس الحكومة للشيعة ورئيس الجمهورية للكرد ورئيس البرلمان للعرب السنة, وتم اعتماد النظام المحاصصة الحزبية حيث يكون لجميع الأحزاب السياسية حصة من الحكومة. كانت ولا زالت هناك بعض الأصوات المنادية بتشكيل حكومة اغلبية سياسية قوية وقادرة على مواجهة الظروف والتحديات, فبالرغم من أننا نتفق على القوة والقدرة التي تتمتع بها الحكومة الاغلبية في مواجهة الأزمات وتحمل المسؤوليات مقارنة بالحكومة المحاصصة, الا ان هذه الحكومة لن يكتب لها النجاح في العراق لغموض مفهوم المعارضة السياسية واهدافها وسبل تنفيذ برامجها بسبب تقسم البلد طائفيا, فالثقل الانتخابي بات أمرا مقطوعا, فمن الصعب التخيل ان يصوت ناخب من طائفة معينة لحزب من طائفة اخرى, مما يعني ان الاصوات محسومة على مستوى طائفي, ولن يكون هناك تغيرا في الأصوات فكل طائفة لها أصواتها وحجمها, والذي يتغير هو فقط حجم الأحزاب داخل الطوائف, مما يعني ان الحكومة ستبقى بيد الشيعة بسبب حجمهم ورئاسة الجمهورية والبرلمان للسنة والكرد, وهذا يوحي بأنه لا جدوى من المعارضة السياسية, فليس هناك شيئا يسمى بالمعارضة السياسية إذا لم يكن هدفها الوصول الى السلطة وتنفيذ برامجها وخططها المستقبلية, مما يعني بان تشكيل حكومة اغلبية سياسية في العراق غير معقول وعديم الجدوى, و هناك سبل اخرى يمكننا اللجوء إليها كحلول نسبية للأزمات الراهنة, منها دعم وتعزيز استقلالية ونزاهة القضاء و هيئة النزاهة والاجهزة الامنية, وايضا نقل وتوزيع بعض الصلاحيات والسلطات, وخاصة الخدمية منها الى المحافظات والاقاليم وتعزيز دور ها من اجل تقليص الاعباء على عاتق الحكومة, وانشغالها بمصالح اخرى اكثر اهمية كالسياسة الخارجية والامن والدفاع والاقتصاد...الخ حيث يؤدي هذا الى بيان و وضوح محل المسؤلية و عدم ضياعها او التهرب منها, ولكن كل ذلك بشرط ان تقوم الحكومة بالدور الرقابي الحقيقي المفترض القيام به بشكل فعال ونشيط على جميع الهيئات.
وخلاصة القول, ان العراق يعيش في ازمات عارمة منذ 2003, وان سلمنا القول بأن ضعف الحكومة المبنية على اسس المحاصصة جزء كبير من المشكلة الا ان الحل لا يكمن في تغيير الحكومة الى اغلبية, لأن في ذلك تهميش للطوائف الاخرى التي يستحال ان تحقق الاغلبية ودخول السلطة بسبب التقسيم الطائفي للبلد, والذي ادى بدوره الى اللبس والغموض وعدم الوضوح في مفهوم المعارضة السياسية, وبدلا من ذلك علينا البحث عن كيفية تعزيز دور و استقلالية القضاء والاجهزة الامنية, وهكذا تفعيل دور هيئة النزاهة بالشكل الذي يتوافق مع الهدف التي تسعى وراءه.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.

.jpg&w=3840&q=75)

