آزاد ولدبكي
في حال حدوث حرب أهلية، ثورة، انتقال من الحكم الدكتاتوري أو أزمة سياسية كبيرة في أي من دول العالم، فإن الدول تلجأ إلى المصالحة الوطنية لتحقيق الاستقرار السياسي. وفي بعض الأحيان، تتطلع الدول إلى الحلول الناجعة التي تبنتها دول أخرى لمحاكاتها، وفي أحيان أخرى تسعى للوصول إلى حل خاص بها يتطابق تماماً مع أوضاع البلد. لكن، هناك عموماً نقاط مشتركة في تجارب المصالحة الوطنية يمكن أن تنفع الجميع. الهدف الرئيس لهذه العملية هو تحقيق السلم والاستقرار السياسي في البلد والذي سيكون في الأخير عاملاً هاماً يرفع مكانة ذلك البلد داخلياً ودولياً.
المصالحة الوطنية عبارة عن توافق وطني يهدف إلى التقريب بين الرؤى ورأب الصدوع وحل الخلافات بين الجهات المتنافرة والمتخالفة. أي أنه تجاوز لعقبات ومشاكل الماضي ونظرة متفائلة للمستقبل. المصالحة الوطنية تعد واحدة من المراحل الانتقالية للعدالة ووسيلة لحل سلمي وودي للخلافات والصراعات بين الأطراف المحلية المتخاصمة. لذا نستطيع القول بأن المصالحة الوطنية هي ستراتيجية تنتهجها الدول في سبيل حل الخلافات والخروج من الأزمات الناجمة عن العنف السياسي أو الحرب والثورة الداخلية.
مر إقليم كوردستان منذ العام 1991 بعدد من المراحل الصعبة، وكان لزاماً العمل بجد من أجل تحقيق المصالحة الوطنية ومداواة الجراح التي أصابت جسد المجتمع، ومن هذه المراحل: انتفاضة العام 1991، الاقتتال الداخلي في 1994-1997، سقوط نظام البعث والانتقال من الحكم الدكتاتوري في العام 2003، بدء الأزمة والصراع السياسي في 17 شباط 2011، حرب داعش في 2014 وحرب الحكومة العراقية على إقليم كوردستان في 16 أكتوبر 2017.
كانت المصلحة الوطنية العليا لكوردستان تتطلب، بعد كل واحدة من تلك المراحل، أن تبدأ الأطراف الكوردية وخاصة السلطة بعملية مصالحة وطنية مدروسة، لكن المؤسف في كل تلك المراحل، أن الأطراف الكوردية انتهجت سياسة معاداة بعضها البعض وفتح الجراح وتبادل التهم بالخيانة، بدلاً عن الركون إلى المصالحة الوطنية. أي أنها سلكت الطريق المعاكس تماماً لطريق الصواب، لقد اختارت الطريق الخطأ.
يرتبط نجاح أية عملية مصالحة وطنية بعدد من الشروط: طرح حل سلمي شامل للخلافات، إلتزام الأطراف المتنازعة بالمهام المسندة إليها، الإلتزام بالمصالح الوطنية العليا بعيداً عن التدخل الأجنبي، مشاركة رؤساء الأطراف في عملية المصالحة، الإرادة الحقيقية للمصالحة، تخلي الأطراف عن بعض حقوقها وامتيازاتها للأطراف الأخرى، تحقيق العدالة الاجتماعية وعدم وجود منتصرين وخاسرين في تلك العملية.
بعد أحداث 16 أكتوبر 2017، تعرض إقليم كوردستان إلى كارثة كبرى، وكان ذلك يتطلب من القوى والأطراف الكوردية أن تكون في مستوى حجم وخطر الكارثة والبدء بعملية مصالحة وطنية مع استبعاد المصالح الحزبية والشخصية. لكن ما يدعو للأسف، أننا وجدنا تلك الأطراف مقصرة وعاجزة في مواجهة تلك الكارثة ما أسفر عن تعميق الجراح.
يمر تحقيق المصالحة الوطنية بثلاث مراحل: الحوار الوطني، التوافق الوطني والمصالحة الوطنية، ويمكن تحقيق كل هذا من خلال ستراتيجية طويلة الأمد. وكخطوة أولى باتجاه المصالحة الوطنية، يجب أولاً البدء بمرحلة الحوار الوطني بين الأطراف السياسية، والعمل من خلالها على الإعداد التدريجي للإتفاقيات الأولية، وينبغي لهذا الغرض أن يبادر الشخص الأول في حكومة الإقليم، الذي هو رئيس وزراء إقليم كوردستان الآن، بطرح مبادرة جريئة وجمع كافة الأطراف السياسية على طاولة الحوار. كما أن على الأطراف السياسية الأخرى، وعلى مستوى القمة من قيادات الأحزاب أن تشارك في كسر جليد العلاقات بين الأطراف شيئاً فشيئاً، وبعد النجاح في مرحلة الحوار، تبدأ مرحلة التوافق الوطني وذلك من خلال توقيع جميع الأطراف السياسية على إعلان شرف سياسي وتطبيق التوصيات المطروحة في مرحلة الحوار. في المرحلة الثالثة والأخيرة، يجب عقد مؤتمر للمصالحة الوطنية يضع الأطر والأسس والحلول التي يوافق عليها جميع المشاركين فيه، ويكون بمثابة خارطة طريق لعملية المصالحة السياسية.
وفي المقابل، يجب على كافة الأطراف السياسية الأخرى أن ترحب بخطوة من هذا النوع، ليتمكن إقليم كوردستان من تحقيق قفزة كبيرة، وينجو بنفسه من المرحلة السابقة ويفتح صحيفة جديدة للعلاقات بين الأطراف السياسية. لا شك أن الافتقار إلى عملية مصالحة سياسية كان له أثر سلبي على السلم المجتمعي أيضاً. فالمصالحة الوطنية، هي المفتاح الضائع لحل الوضع الحالي السيء لإقليم كوردستان، الذي سيفتح الأبواب المقفلة بين الأطراف السياسية، والطرف الذي يستطيع العثور على هذا المفتاح ويفتح به الأبواب المقفلة، لا شك سيسجل لنفسه صحيفة من ذهب في تاريخ كوردستان. ولن يتمكن الكورد بدون مصالحة وطنية وبدون تعزيز وحدة الصف داخلياً، من ممارسة الدور المطلوب في بغداد، وستكون النتيجة تكرار مساعيه السابقة والعودة إلى المربع الأول.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



