في حادثة سابقة من نوعها أقبلت فتاة تدعى ( فاطمة زياد ) من سكان مدينة بغداد تبلغ من العمر ١٧ عاماً على الانتحار من خلال شنق نفسها حتى الموت .
لم تصدر عن الجهات الحكومية المختصة حتى الأن تفاصيل عن الحادثة وأسبابها التي أثارت الرأي العام، وأخذ رواد مواقع التواصل الإجتماعي بتداولها خلال الأيام الماضية ، وكانت قد نشرت الفتاة في وقتٍ مُسبق على صفحتها الشخصية في موقع الفيس بوك العديد من الكلمات التي تظهر إنها تمر بحالة نفسية سيئة ويأس حاد وعن رغبتها في الخلاص والموت حتى إنها قد تناولت شريط من دواء معين لكنهُ لم يجدي نفعاً ومازالت على قيد الحياة ..!
إلا أن هذهِ المؤشرات مرت مرور الكرام ولم تدفع احداً من المقربين منها لكي يحتوي حالتها وينقذها من الطريق التي كانت تسير فيه .
وفي آخر رسالة لها كانت صرحت بأنها سوف تشنق نفسها بسبب شعورها بالألم والمعاناة المستمرة داخل منزلها ، وعن الكره الشديد لوالدتها كونها قاسية معها وتكره شخصيتها الضعيفة وتضع اللوم عليها كونها دفعت بها نحو الهاوية ثم ختمت كلامها عن والدتها بأنها تكرهها ولن تسمحها .
اما أخوها بحسب قولها بأنه شخص شرير خبيث ومخادع وتنصحه بدخول كلية الفنون قسم التمثيل !
وتذكر أن لهُ دور كبير في دفعها نحو الإنتحار ، وايضاً تمنت لو إنه قدم لها الإعتذار لكانت سامحته .
وعن أختها مريم فقالت لا تتأثري بموتي ولا تدعي امي واخوتي يقتلونك روحياً كما فعلو بي ...
الفتاة توفيت ولا نريد الخوض في غمار القضية وتفاصيلها بشكل شخصي يمس فاطمة بذاتها .
الإنتحار موجود من قبل أن تُقدم عليه هذهِ الفتاة التي لم تبلغ بعد ١٨ من العمر ، وما السبب الرئسي الذي خلق بيئة محفزة لها حتى تدفعها كل تلك العوامل إلى إنهاء حياتها لأسباب نحن لا نعرفها .
وبحسب تقارير كشفت أن حوادث الإنتحار اخذت بالتصاعد بعد العام 2003، ومؤشرات قياس تلك الحالات غائبة ، ومحاولات البحث النوعي في الدوافع والاسباب غائبة ايضاً، فيما الحكومات المتعاقبة منذ 2003 لم تضع ببرامجها معالجة ظاهرة الانتحار المتنامية، بل حتى مؤسساتها تتعمد التغاضي عن الاعتراف بذلك.
وهناك إحصاءيات تشير إلى أن المنتحرون بالغالب اعمارهم اقل من 30 عاماً، لكن المؤشر الاكثر فزعاً انتحار الشُبان الصغار من جيل العام (2000) الذين ولدوا ضمن الحقبة الاكثر ظلامية في العراق، وهؤلاء هم مجرد ضحايا لثقافات القتل والعنف والحروب التي سلبتهم الطفولة والشباب في آن واحد .
وعلى الصعيد ذاته وخلال السنوات القليلة الماضية كانت هناك حالات إنتحار فردية في المحافظات الجنوبية من البلاد وتعود إلى أسباب عديدة منْهَا فشل دراسي أو عدم وجود فرص عمل لتأمين حياة كريمة وبعضها الآخر شخصي لضغوط نفسية ومجتمعية أو حالات إدمان المخدرات التي تعتبر سبباً يدفع متعاطيها للانتحار .
يذكر أن العراق يشهد بوتيرة متصاعدة حالات انتحار مشابهة يكون ضحيتها فئة الشباب والمراهقين من كلا الجنسين.
وذكرت تقارير أن دراسة كمّية جديدة ، اعدها مجموعة باحثين ضمن برنامج "الدراسة العراقية الوطنية عن الانتحار" بالتعاون مع وزارة الصحة، تَقَصّت قياس الظاهرة بين عامي (2015 – 2016)، استناداً على تقارير مراكز الشرطة التابعة لوزارة الداخلية في 13 محافظة عراقية (باستثناء محافظات كردستان ومحافظتي نينوى والانبار)، افادت بوقوع (290 حالة) في العام (2015) و(357 حالة) في العام (2016) بتفصيل جندري (55،9% ذكور) و(44،1% إناث)، مشيرة ان نسب الانتحار الاعلى كانت ببغداد والبصرة. لكن في احصاءات اخرى تتصدر ذي قار وديالى.
فيما تفيد الاحصاءات الرسمية لمفوضية حقوق الانسان في العراق، عن تسجيل (544 حالة) في العام 2014، و(607 حالات) في العام 2015، بينها حالات لغير العراقيين كانت للاجئات سوريات في إقليم كردستان.
وإن سلطنا الضوء على حالات مشابهة في مجتمعات آخرى تقع في الجزء الآخر من العالم كالدول الأوربية والولايات المتحدة سنلاحظ أن الانتحار فيها يكاد يكون أمر طبيعي جداً ..!
وكل من في مجتمعاتهم متقبلين الفكرة وهناك من يعتبرونه حرية تدفع الشخص لإنهاء حياته في مرحلة من اليأس والإكتئاب الحاد ،والهروب من الواقع والحياة بضغوطها ومسؤولياتها ومشكلاتها ، وبالرغم من ذلك هنالك مراكز ، واطباء ودارسين مختصين للحد من اليأس الذي يدفع الفرد نحو الانتحار!!
وان تحدثنا بالعِلم والطب فهناك من يعتبر الاكتئاب مرض نفسي بكل الأوجه والأشكال وهنالك عشرات المسببات تؤدي إليه تبدأ منذ الطفولة مروراً بالمراهقة التي تعتبر الفترة الأكثر حرجاً ثم الشباب إنتهاءاً بالشيخوخة .
كل فترة من هذهِ الفترات يتعامل معها الأخصائيين حسب مراحل وضغوط قد عاشها الشخص ومواقف ومشاهد تركت أثرها فيهِ ، هناك من يدعونها تمر بسلام وهناك من تبقى حبيسة في داخلهم وتظهر في سلوكياتهم ، حتى تتمكن من القضاء عليهم أو تدفعهم لإلحاق الأذى بأنفسهم والآخرين .
أما البعض الآخرين فيذهبون نحو رؤية الاكتئاب ليس مرضاً بل هو نتيجة ضغوط يمارسها المجمتع والأسرة هي التي دفعت بالفرد لكي ينتحر !
وفي نظرة شمولية للواقع في العراق ولمن لا يعرف أو نسي وتناسى ما عاشهُ المجتمع العراقي في فترة من الفترات ومازلنا نعيشهُ حتى اليوم من مأساة تحمل أوجه متعددة .
نحن شَهدنا أسوء الأوضاع وكنا شاهدين عليها بأم أعيننا ، تلك المشاهد الأسوء على الإطلاق في مجال الطب النفسي حيث تترك أثراً لا يستهان بهِ من الإضطرابات والحالات النفسية .
فالقتل والدماء والترهيب النفسي والمعنوي والخوف والإعتداءات اللفظية في حين والجسدية في أحيان آخرى ، ومخلفات الحرب الطائفية ثم التفجيرات التي لم تترك جزءاً من البلد إلا وحطت رحالها فيهِ ، ثم الجماعات الإرهابية وما حملتهُ من فكر متطرف .
كل تلك اسباب ومسببات
جعلت المواطن العراقي في حالة تأهب وتوقع كل ماهو أسوء والتعايش معهُ .
إعتدنا على الخوف حتى اصبحنا لا نخاف ..!
كل من عاش في سنوات السابقة في ظل هذهِ الظروف في العراق ومازال يعيشها ،العِلم والطب النفسي يقول إنه يعاني من إضطرابات نفسية عديدة ..!
وبحسب تصنيف منظمة اطباء بلا حدود والصحة العالمية يعتبر العراق كـ"موطن للامراض النفسية".
ومع هذا لم تتوقف الحياة بل استمرت وبإصرار وقوة أكبر ..
نحن العراقيين أقوياء كما نقول وماهو معروفٌ عن شعبنا بين الشعوب ...
ولأن المصائب لا تأتي فرادى فالعراق مابين مصيبة وآخرى يحاول التمسك بفسحة الأمل وبصيص نور لحياة أفضل ولواقع يساعده على تجاوز كل المعاناة التي مضت .
ومابين فاطمة وضغوط العائلة التي أخذت بها نحو الانتحار وواقع نعيشهُ كل يوم هنالك أوجه شَبه عديدة علينا أن نلتفت لها ولا نغض الطرف عنها بدافع العيب والحرام والعادات والتقاليد .
مثل فاطمة الكثير ، هنالك من ينتحرون صمتاً ، هنالك من ينتحرون بإيذاء الآخرين والتلذذ برؤية عذاباتهم ، هنالك من ينتحرون بقتل وتعنيف اطفالهم وزوجاتهم ، هنالك من ينتحرون بالسرقة وفعل المُحرمات .
اعتقد إننا سنحتاج إلى مصحات نفسية في الفترة القادمة تضمن لنا علاج من مخلفات الحروب والمجتمع والأسرة وما ألحقته بنا من إضطرابات نفسية ، لكي نساهم في إصلاح البلد ونسير معاً نحو عراق جديد يخلو من الفساد ،والمحاصصة ، وحالات اليأس الشديد .
ونولي اهتمام أكبر بشريحة المراهقين والشباب لأنهم الأكثر عرضة للهزيمة أمام شبح الانتحار المستورد ..!
فمن لم يمت برصاصة أو إنفجار عابر قتلتهُ الأفكار ومات منتحراً مُنهار ..!
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.


