1 – العبرة:
خلال السنتين الماضيتين، جلس بوتين مع نتنياهو تسع مرات، وأجريت بين كل جلسة وأخرى عدة مكالمات هاتفية، بعضها استمرت لأكثر من ساعة، وآخرها تمت في نهاية الشهر الثامن، تلتها عدة مكالمات قبل وبعد عودة بوتين من إيران، واجتماع بوتين وأردوغان في مدينة سوتشي، الأسبوع الماضي، على سواحل البحر الأسود، وقد كانت زيارة نتنياهو تلك هي الخامسة لروسيا، ودامت الجلسة قرابة ثلاثة ساعات، استخلصت منها الدبلوماسية الإسرائيلية نتيجة عرضتها بتصريح علني على الشعب، وهي أنهم، ورغم تفهم روسيا لأمن إسرائيل وعلاقاتهم الطيبة معها، ومع أمريكا، يجب الاعتماد على الذات في الدفاع عن أراضيهم، ضد تهديدات إيران أو ميلشياتها أو أدواتها في المنطقة، وعليها، كحكومة ومؤسسات دولة، أن تجد الطرق المناسبة لحماية نفسها وشعبها ووطنهم من أي اعتداء محتمل، مباشر أو غير مباشر.
العبرة مما ذكرناه، ورغم أن الجميع على قناعة أن الدول الكبرى لن تفرط بإسرائيل أمام الدول العربية والإسلامية، ومنها إيران، بأن يعتمد الكورد على ذاتهم قدر المستطاع، ويجهزوا أنفسهم لأسوء الاحتمالات، من الخيانة إلى المؤامرات وخباثة الأعداء، وهذا ما لم تفعله حكومة الإقليم، ولم تعمل عليه بشكل مناسب، وهو ما أدى إلى انهيال ركام هائل من الانتقادات، من داخل كوردستان قبل خارجها.
رغم أن مكانة كوردستان تتصاعد ضمن استراتيجيات الدول الكبرى في الشرق الأوسط، لكن يصيبها الإهمال عند أول انعطاف في مصالحهم، ولتفهم هذه الخلفية المريبة علينا أن ندرس علاقاتهم على سويتين:
الأولى- التكتيك:
هنا يقرر مصير كوردستان موظفون من الدرجة الثانية في إدارة البيت الأبيض، أو الكرملين، وكثيراً ما لا تصل تفاصيل التعامل معها إلى ترمب أو بوتين، وانطلاقاً من هذه الرؤية يرجح أن ممثل دونالد ترمب في التحالف الدولي ضد داعش "بريت ماكغورك" هو الذي سمح للقوات العراقية والحشد الشيعي بالدخول إلى كركوك، وهو على الأغلب يتحمل مسؤولية مجريات الأحداث في كوردستان، وأين كان يجب أن تقف القوات العسكرية العراقية، وعلى أثرها تم قصف قوات الحشد الشعبي بالطيران في منطقة شنكال بسبب تجاوزهم المسموح لهم، ومثلها قضية المناطق المتنازع عليها، أو لنقل إعادة الكورد إلى حدود 2003م، وما ستتمخض عنه الحوارات القادمة بين بغداد وأربيل.
والثانية- الاستراتيجية:
تتضارب ما بين الدول الكبرى وترسم على مستويات أعلى من أن يتداركها أو يحللها مستشارو رئاسة الإقليم، أو حكومة بغداد، وتدرس فيها جيوسياسية المنطقة، ومستقبل الثروات، وتوزيع المصالح، وما تم على الساحتين الإعلامية والسياسية داخل العراق كانت معظمها لامتصاص نقمة الشارع، أو التغطية على ما خلفته الأروقة الدبلوماسية الاستراتيجية.
2 – دور الخيانة والتقاعس:
مع ذلك لا تبرر خسارتنا إدراج المتقاعسين، أو المنخدعين بالوعود، في خانة الخيانة للوطن، ولا حتى اتهام تلك الشريحة الانتهازية المختفية تحت غطاء النقد بالطابور الخامس، ففي واقع الانتكاسة الأخطاء تصبح أكثر من علامة فاضحة، ورغم قناعتنا التامة أن المخطط الاستراتيجي لتقليص صلاحيات الإقليم كان سيتم مع أو بدون الخيانة والاستفتاء، وحتى لو سقطت من أجلها العشرات من الشهداء، ولا شك ساهمت فيها إهمال حكومة الإقليم الإعداد العسكري اللازم للبيشمركة، رغم الوفرة الفائضة المهدورة من العملة الصعبة، وتعد هذه من أحد أهم أخطاء الإقليم، وقد تبين هذا قبل احتلال كركوك، بل أثناء اقتراب داعش من أربيل عام 2014م، وكان معهم عتاد أمريكي لأربع فرق عراقية لا أكثر، أمام بيشمركة، يشهد لهم التاريخ بالتضحية والبسالة، وأعدادهم حسبما يذكر قرابة 100 ألف، لكنهم كانوا بدون عتاد، ولولا أمريكا لكنا نعيش اليوم كارثة لا تقل عن كارثتي شنكال وكوباني، ومن حينها أو قبلها كان يتطلب من قيادات الحركة الكوردستانية، تشكيل هيئات ومراكز استراتيجية قادرة على دراسة ما يجري خلف الكواليس الدولية، والتعامل معها بالشكل الحضاري.
3 – مَن أخطأ؟
الناجحون في الحياة، وعلى مر التاريخ، يقيمون الأخطاء حسب العصر الذي حدث فيه، لكننا نحن الكورد عندما ندرسها، نستخلص استنتاجاتنا بمقاييس عصرنا الجاري، ونأخذ العبر على البنية التركيبية الخاطئة وظروف المرحلتين، ولا نتمكن من تأويلها حسب متطلبات العصر، وبالتالي نعيد الأخطاء ذاتها.
واستمراراً لهذا المنهج الخاطئ، تم في أروقة إدارة حكومة الإقليم الكوردستاني، ترجيح احتماليات وقوف الدول الكبرى إلى جانبنا في اللحظة الحساسة، ولربما تداولها مستشارو السيد مسعود بارزاني، رئيس حكومة الإقليم حينها، بالعاطفة دون الحكمة والعقل، ونحن هنا لا ندعي الخبرة بأكثر من قيادة الإقليم، أو في معرفة القضايا والحوارات السياسية والدبلوماسية التي تمت أو كانت تجري قبل أو بعد الاستفتاء، وقبل احتلال كركوك، لكن مع ذلك، نظن أن استنتاج المستشارين (الذين اختارهم) لم يكن على سوية مجريات الأحداث ولا الحوارات السياسية والرسائل أو التنبيهات الدبلوماسية الصادرة أو المرسلة من مؤسسات الدول الكبرى.
فما تم خلال المراحل السابقة للاستفتاء، وليس فقط حول الاستفتاء، من دراسات وتقييم لمواقف الدول الكبرى، أدرجوها ضمن خانة مواقف القوى الإقليمية، وربطوا مستقبل كوردستان وعلاقاتها مع سلطة المركز والدول المحتلة لكوردستان، كما ولم يدرسوا تقييم الدول الكبرى لكوردستان، ووزن الإقليم الكوردستاني، السياسي والاقتصادي لديهم، مقابل تأثير ثقل القوى الإقليمية على مصالحهم، بل انجروا في معظم الحالات أمام الأوهام، والآمال، وتبين أن معظمها كانت خاطئة، وبالتالي نتجت عنها الانتكاسة الجارية.
الاستفتاء لم يكن خطأً، وقراءة السيد مسعود بارزاني لمواقف إيران وتركيا وسلطة بغداد المركزية، لم تكن خاطئة، فمواقفهم معروفة لأبسط الناس، والشارع الكوردي يتحدث ليلاً ونهاراً عن جدلية أصبحت أكثر من معروفة، وهي أن الأعداء يتركون جل صراعاتهم عند حضور القضية الكوردستانية، ولا يعقل أن لا يعي السيد مسعود بارزاني ولا مستشاروه هذه المعادلة الواضحة، والمعروفة عبر التاريخ، لكن ما يمكن إدراجه ضمن خانة الخطأ الاستراتيجي والأبعد من التكتيكي، هو عدم معرفتهم أو إتقانهم اللغة الدبلوماسية للدول الكبرى، وبشكل خاص الدبلوماسية الأمريكية، والمتضمنة وبشكل مختصر تحذيرات بسيطة وهادئة، ولم يدركوا أن ما تم تبليغهم به كان على مقاس الإقليم الفيدرالي، وحكومته، وثقلهما في معادلات الشرق الأوسط، وتناسوا أن الإقليم في القوانين الدولية وحسب الدستور لا تزال تابعاً للعراق الاتحادي.
كما لم يقرأ مستشارو الرئيس ما وراء سطور الرسائل المختصرة وأسباب بساطتها، ولم يقيموا كلماتها على حجم المنبع الذي خرج منه، ووزنهم كمتلقي، بل وقفوا على عباراتها، وقارنوها برسائل الدول الإقليمية، ولم ينتبهوا أن خطابات الدول الكبرى وسطوتها، ونبرتها تشتد وتلين على قدر وثقل المخاطب، وكوردستان في عرفهم وحسب تقييمات إدارة وزارة الخارجية الأمريكية وفي البيت الأبيض لا تزال الحلقة الأضعف من الحلقات المتعاملة معها في الشرق الأوسط، من الناحيتين السياسية والاقتصادية، والاستثناء العسكري هي مرحلية وليست استراتيجية، فحتى هذه المقارنة هزيلة بما تملكه الدول المحتلة لكوردستان، وخير مثال ما كانت تحصل عليه حكومة بغداد على مدى السنوات الماضية من دعم سياسي وأسلحة، رغم ما أعطاه المالكي لداعش "والتي ربما كانت بأمر غير مباشر من أمريكا، مثلما قدمت لهم روسيا سلاحاً مشابهاً عن طريق سلطة بشار الأسد، عندما تخلوا لهم عن سلاح اللواء 93 المدرع وفوج الميلبية، وقاعدتي تدمر ودير الزور لمرتين، والمرة الأخيرة كانت لروسيا، وغيرها".
4 – دور مسؤولي الدول الكبرى في المنطقة:
بلا شك، لو لم تميل أمريكا بمواقفها، ويتلاعب موظفوها المسؤولون عن المنطقة، حسب تكتيكاتهم وتحليلاتهم الساذجة في كثيره، وتقوم بدعم القوى التي تدرجها كأعداء لها، سياسياً ودبلوماسيا، وعسكرياً، لما اندرجت عملية الاستفتاء وموقف السيد مسعود بارزاني ضمن خانة الخطأ، ولدعم موقفهم الخاطئ أمام الكونغرس والإعلام الأمريكي، وصفوا الحدث التاريخي "الاستفتاء" بالخطأ الأكبر، ولو لم تكن تقييمات الدول الكبرى للكورد متأرجحة حسب مصالحها الاقتصادية، والتي لم تدرسها حكومة الإقليم بشكل عقلاني، لكان اليوم الاستفتاء مدرجاً ضمن خانة الصفحات التي غيرت مجرى التاريخ في الشرق الأوسط، ولأدت إلى تغيير الخريطة الجيوسياسية في المنطقة، ولوصف السيد مسعود بارزاني بالقائد الصارم والوطني، وليس المخطئ.
وعلينا وعلى موظفي الإدارة الأمريكية أن يعلموا أن السيد مسعود بارزاني لم يقلل من المخاطر المتوقعة من قبل الدول الإقليمية، عند عدم تراجعه أو تأجيله للعملية، لكنهم هولوا من أخطارهم، وقدموا تقارير ستتبين مستقبلاً خطأها لإدارة البيت الأبيض، وهو ما عبر عنه بعض أعضاء مجلس الشيوخ، والمتوقع أنها لم تبلغ إلى طاولة ترمب، ولا يستبعد احتمالية أنهم تخوفوا، من تفاقم الأوضاع بين أمريكا وإيران والتي تقف وراءها روسيا، ومن ابتعاد تركيا أكثر فيما لو وقفوا مع الكورد، وهنا ثانيةً نكون أمام بساطة دراسة مستشاري السيد الرئيس مسعود بارزاني لهذه المعادلة، علماً أن تكتيكاً قيماً قامت به حكومة الإقليم في المجال العسكري، عندما تراجعوا عن شنكال بعد احتلال كركوك، وكانت رسالة غير مباشرة لخيانة تركيا للإقليم، وأظهرت مفعولها، وجمحت من التدخل التركي في المؤامرة، وعلى إثرها اتفقت مع إيران بإصدار تصريح بدون فعل، قيل فيه إنهم اتفقوا مع إيران على ضرب مواقع الـ ب ك ك، وذلك كَرَد فعل على معارضة الإقليم لقصفهم جبال قنديل، ومع ذلك فإن مثل هذه النجاحات لا تغير من المعادلات الدولية.
5 – المطلوب:
والمطلوب الآن من الحركة الكوردستانية، تخفيف نتائج النكسة على المجتمع، بأن نتدبرها وندرسها، بمنطق يتلاءم والعصر، وبعيداً عن المنهج الكلاسيكي الماضي، والبحث في خلافاتنا بعيداً عن منطق التخوين، وعلينا أن نجد أساليب لنمنعهم من الهيمنة على الشارع الكوردستاني، والأهم هو إعادة تركيبة الأحزاب، ونأمل منهم إما الاعتزال حتى ولو حدث فراغ في الواقع السياسي الكوردستاني، أو تحريرها من هيمنة مربعات القوى الإقليمية، وهو أفضل لتنقية المستنقع السياسي الجاري والذي أدى إلى النكسة وزيادة احتمالية تأجيل مستقبل هذه الأمة ربما لعقود أخرى.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



