لم تكد بغداد أن تنتهي من حربها ضد داعش، حتى وجهت بنادقها نحو إقليم كوردستان، نشوة النصر أخذت القيادة في بغداد وأنعشت لديها عدائها القديم/الجديد تجاه الكورد، هذا العداء المتوارث ضدّ أيّ وجود أو كيان كوردي غير خاضع لاستبدادها، حفزته انتصارات ميليشاتها الطائفية التي استغلّت الحرب ضد داعش للانتقام من بعض المناطق السنية، حيث لم تراع في حربها حرمة ولا كرامة للمدنيين من النساء والأطفال في تلك المناطق.
سال لعاب النصر لدى حكام بغداد الطائفيين، لم ينتظروا كثيراً حتى وجدوا وجهة جديدة لسلاحهم المشحون والمدعوم بلا حدود من قبل إيران، كان استفتاء إقليم كوردستان ذريعة للكشف عن نواياهم المبيّتة أصلاً تجاه الإقليم، الحرب التي يشنّونها اليوم كانوا سيُقدمون عليها حتى لو لم يُجرى الاستفتاء، إجراءات حيدر العبادي المتسارعة لمحاصرة إقليم كوردستان ورفضه لأي حوار قبل إلغاء نتائج الاستفتاء ـوالذي كان مجرد عملية ديمقراطية للتعبير عن رغبة الكورد ولم تستجرّ أي إجراء للاستقلال فعلياًـ بل وسعيه لإلغاء جميع صلاحيات ومكتسبات كوردستان كإقليم معترف به وفق الدّستور العراقي، النزوع إلى استخدام لغة ديكتاتورية في فرض إرادة حكومة بغداد، متجاهلاً إرادة شعب كوردستان ليعيد بذلك أمجاد صدام حسين (رغم أن صدام حسين كان ديكتاتوراً بامتياز، بينما العبادي هو مجرد مجسم لديكتاتور من صنع سادته في إيران)، واهماً أنه سيعيد الهيبة المفقودة لعراق منهك ومشرذم تقتله رائحة الطائفية النتنة، متجاهلاً هدوء قادة الإقليم ودعواتهم المتكررة للتفاوض والحوار المفتوح.
العبادي الذي كان قد نفى وجود تحضيرات لشن هجوم ضد قوات البيشمركة، بينما كانت الحشود العراقية والإيرانية تزحف لتحتل كركوك والمناطق الكوردستانية، عازمة حسب تصريحات بعض قادة ميليشيات الحشد للتقدم نحو المدن الكوردستانية للاستيلاء على المعابر والمطارات في اليوم الثاني بعد دخول الحشد الإيراني إلى كركوك وجميع المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة الإقليم، أصدر العبادي تعليمات بانسحابهم! ولم يحدث، بل تابعوا تقدمهم وهاجموا قوات البيشمركة في منطقة بردي، فإما أنّ العبادي كاذب ومراوغ، وإما أن قواته تتلقى الأوامر من جهات أخرى!، وفي الحالتين هي مصيبة للعراق، كما أنّه وفي الحالتين لن يكون موضع ثقة بالنسبة للكورد للتعامل معه كرجل دولة.
كل الدلائل تشير إلى أن هذه الحرب كانت مبيّتة، لم يؤجلها سوى ضعف الجيش العراقي وصراعات العراقيين الداخلية، اليوم وقد تخلصت السلطة الشيعية الحاكمة من أي مخاوف سنية واستولت على مدنهم بقوة الميليشيات المنفلتة والمدارة من قبل الحرس الثوري الإيراني، وبعد أن تلقت الضوء الأخضر من مرجعيتها في طهران، افتعلت الأزمة مع كوردستان، متجاهلة مسؤلياتها كحكومة "وطنية" خارجة للتو من حربها ضد داعش، مسؤلياتها بإعادة مئات الآلاف من النازحين والمهجرين والمشردين من العراقيين وإعادة إعمار المدن والبلدات المدمرة، وإعادة الأمن المفقود نتيجة انتشار الميليشيات المختلفة في طول البلاد وعرضها.
أعيدت الديكتاتورية إلى العراق في نسخة أقزم من ديكتاتورية صدام واستفردت زمرة طائفية بدعم إيراني بالحكم، مهمّشة باقي المكونات ومتحكمة بمصائرها لكي يبقى العراق رهينة لإيران ومخططاتها الإقليمية والعالمية في تحويله إلى ساحة لصراعها مع أمريكا، كما حولت سوريا ولبنان واليمن إلى ساحات تخوض فيها معاركها ضد خصومها أمريكا وإسرائيل والسعودية بعيداً عن أراضيها التي تحيطها بقبضة أمنية وبإحكام شديد.
جدير بالذكر أن داعش التي طالت كل المنطقة والعالم لم تقترب من الحدود الإيرانية، كل ذلك يحدث بينما الإرادة الوطنية ومصلحة الشعب العراقي مغيبة تماماً.
كان الأولى بطغمة الحكم في بغداد أن تستفيد من تجربة الإقليم في التطور والتقدم العمراني والحضاري وفي بسط الأمن والأمان الذي حققته، وتقتدي بها في إصلاح ما اقترفته يدها في الخراب الذي حلّ بالعراق، بدل أن تقود بلادها المنهكة من الحروب إلى حرب جديدة لا نهاية لها، نعم، في حربها ضد الكورد لن يخرج العبادي رافعاً راية النصر، لأن قضية الكورد ونضالهم في كوردستان هي أكبر من قامة العبادي والمالكي وأشباههما ممن يبيعون شعبهم أوهام نصر كاذب مستخدمين بنادق الغير.
أستشهد بقول للصحافي اللبناني حازم صاغية في مقالة له: "تبقى قضيّة الكورد في الاستفتاء، وفي الاستقلال، قضيّة مُحقّة، مهزومين كانوا أم منتصرين، قضيّتهم على حقّ"، وأضيف: لن يموت حقّ وراءه شعب حيّ لم تتمكن كل قوى الشرّ في المنطقة ولا مؤامرات الدول العظمى عبر التاريخ من ثني إرادته في السعي إلى الحرية والعيش بكرامة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



