لم يكن اجراء الكورد لاستفتائهم بالشيء المستغرب كأحدى نتائج الاخطاء الفادحة التي خلفتها حقبة المنهج السياسي العراقي الحالي والتي تعد من أسوأ حقب وادي الرافدين على الاطلاق، بغض النظر عن احقية الكورد كاحد شعوب العالم العريقة في التعبير عن تحقيق حلمهم الأزلي الذي تكبدوا جراء كفاحهم الطويل لأجل تحقيقه آلاف لاتحصى من الضحايا او على اقل تقدير التعبير عن رغبتهم بالأنفصال من عدمه عن بلد لم يخلف لهم سوى المزيد من الكوارث طيلة المئة عام المنصرمة .لم يكن الامر مستغربا بعد ان يأس الكورد من صلاح حكومة بغداد وهي تتجه الى الخراب الشامل .
ما كان يجب ان يتم تسخين لغة الحوار الى درجة الغليان ، وهذا للاسف الشديد مافعلته بغداد ابتداءا من الشهر الذي سبق الخامس والعشرين من سبتمبر الجاري وهو اليوم الذي زحف فيه اكثر من ثلاثة ملايين مواطن كوردي الى مراكز الاستفتاء بكامل رغبتهم ،ولابد من الاعتراف بقوة ان الكثير منهم خرج من بيته متحديّا لحكومة بغداد بعد سماعه لخطاب العبادي الذي خرج فيه الرجل غاضبا بوجه مختلف وعبوس لم يحدث ان خرج بمثله من قبل ولاحتى في حزيران 2014 عندما سلم سلفه ثلث البلد لداعش في ساعة واحدة.
وماكان يجب ان يسكت الكورد على الكثير من البذاءات التي كانت تخرج من افواه الخصوم الافتراضيين في بغداد،وهذا مالم يفعله الاخوة الكورد ولهم الشكر العظيم لانهم اصغوا الى حكومتهم التي كانت حريصة على عدم الرد والنأي عن التصعيد الغير مبرر على الاطلاق لاسيما ان الشعبين قد اختلطت دمائهم في كثير من المواطن واهمها الحرب ضد داعش .ببالغ الاسف والاخذلان تابع العالم تسارع القرارات غير الناضجة من البرلمان العراقي تجاه الشعب الكوردي وملايين النازحين العرب السنة الذين استولت داعش على مدنهم لثلاثة اعوام ولازال الكثبر منهم يمنع من العودة الى مدنه المهجورة دون اي تبرير مقنع وبعلم العالم باكمله.النازحون الذين يمكثون في مدن الاقليم الكوردي منذ ثلاثة اعوام بحقوق لاتميزهم عن اهل الاقليم ،هم اول المستهدفين من قرارات الحكومة العراقية هذا اليوم ، فماكان ياتي من مساعدات غذائية وطبية عبر طرق جوية من بلدان العالم سيتوقف بامر من سلطة الطيران المدني التي اوعز لها البرلمان تاييدا لقرار العبادي.لقد لاحقوهم الى مناطق نزوحهم بعد ان هدمت مدنهم وسرقت ممتلكاتهم ،بل انهم قرروا معاقبة مضيفيهم لاسباب واضحة تخجل نحن اولي العقول الرشيدة من ذكرها خشية من ان نخدش الحس الجمعي .تماما على النقيض من خصومنا الافتراضيين الذين لم يتركوا مفردة واحدة من قاموس الشتائم العراقية لم يستخدموها في خطاباتهم الهزيلة ،في منابرهم الاعلامية المؤسسة من المال العام السروق ،وعلى منصات الحكومة وبأسم الشعب الذي ثلثه يعيش تيها عظيما وثلثه يترقب مصيرا مجهولا وثلثه مبتلى بالفهم الخاطيء للاخرين تجاهه بان الحكومة منه فيما هو بريء منها .
لازالت حكومة العراق وبرلمانها يعيشان سكرة الاخطاء الفادحة التي ارتكباها طيلة 13 عاما فلتت من تاريخ العراق المعاصر كرمشة عين مخلفة ركاما هائلا من انقاض الكونكريت والأواصر الاجتماعية المفككة والثأرات والعقد المتراكمة التي ستمد ظلها حتى وقت متاخر من القرن الحالي،وهذان الحليفان المثيران للجدل ،الحكومة العراقية وبرلمانها رغم الصراعات العميقة بين احزابها الا انها تعقد حلفا افتراضيا متينا غير مكتوبا يستدعي تآلفها وتحالفها ضد كل مايشكل تهديدا وجوديا لها ،لذلك يمكنك ان ترى صباح احد الايام حزبا يعترض بصوت عال ضد الحزب المعارض حول مسألة تتعلق بنوع الاسمدة الزراعية التي تستوردها وزارة الزراعة التابعة للحزب الاخير ،او حزب يصرخ باعلى صوته على حزب معارض حول مسالة تتعلق بالبيئة مثلا ،فيما يتحد الحزبين كجسد واحد وحميمية مدهشة عندما يشعران باقتراب مايهدد وجودهما معا واعني العملية السياسية العرجاء ،واستطيع ان اذكر القاريء بالعبارة التي كثيرا ماتهدد الاطراف السياسية بها بعضها بعضا(نحن في مركب واحد ،اما ان ننجوا معا او نغرق معا) بالفعل هذه المرة كما في مرات كثيرة ايضا اتحد الخصوم الازليين او الاعداء الافتراضيين ،في مشروع ضد الكورد ،ليس بدافع الحس الوطني ولاخوفا على الارهاق الذي تسببه عملية طباعة خارطة جديدة للبلد ،لكن كل واحد منهم لايريد ان يرتبط اسمه بذكرى تقسيم العراق التي سيخلدها التاريخ لاحقا ،ولانهم لازالوا في سكرتهم تلك فقد غاب عنهم الضابط المنطقي للحوار وشروط الرصانة والرزانة التي يتطلبها الحكم الرشيد ،لقد نسي هؤلاء ان ثلث شعبهم يئن في مخيمات النزوح ومن شدة سكرتهم ايضا بدأت السنتهم تقطر اوصافا لاتليق باي رجل عاقل في هذا العالم فكيف وهو يتبوأ منصبا يتيح له التحكم بشؤون العباد .
نسوا انهم كانوا محكومين بالاعدام في حقبة صدام حسين ولقد آواهم البارزاني ونعم المآوى كان ونعم النصير ،ولقد انقلبوا على ذلك وتناسوه كما لو انه لم يحدث ابدا ، واما حلفائهم فلقد نسوا انهمك انو محكومين بالاعدام في حقبة المالكي ولقد آواهم البارزاني ولنعم المآوى ولنعم النصير،وانقلبوا ايضا كما انقلب الذين من قبلهم وتناسوا ذلك كا لو انه لم يحدث ابدا.
وفوق كل هذا وذاك .وبكل صلافة ،ومع غياب كامل ومؤسف لكل اخلاق الفرسان تنكروا اليوم وارتدوا اقنعة سوداء ليقرروا محاكمة البارزاني ! عن اي حكم تتحدثون ،اما كان الاجدر بكم ان تجتمعوا على محاكمة كبيركم الذي علمكم السحر وهو يملي عليكم شروطه فتنفذون باسم الشعب وهو يجلس على عرشه الاخضر بعد ان آمن العقاب وهو يتكأ على جدر فارس وجيوشه الالكترونية .هل استطتعم ان تحكموه وقد سلم ثلث بلدكم لداعش وهجر ملايين الناس الابرياء في ارض الله فيما لم تظهربعد احصائيات الذين قضوا على يد داعش او القصف الخاطيء والمتعمد والقتل الخاطيء والمتعمد ،هل استطعتم ان تجمعوا برلمانا تقرروا فيه اعادة اهل بيجي والصينية الى ديارهم التي استولت عليها عصبة بعد ان انتزعتها من داعش.هل تعرفون شيئا عن شعبكم النازح في المخيمات ومدن اقليم كوردستان ،هل تجرأون على الاعتراض على العصابات المشرعنة من برلمانكم وهي تصادر ممتلكات الناس بعد تحرير اراضيهم ،هل تجرأون على فتح ملف شهداء سبايكر وشهداء الموصل وصلاح الدين والانبار،هل وهل وهل يا..جراء فارس لاأظنكم فاعلون!
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



