في سياق متابعتي هذه الآونة -كالكثيرين غيري من أبناء المنطقة العربية والأوسطية- لمشهد التطورات الراهنه في "إقليم كوردستان- العراق" المتعلقة بالترتيبات الجارية حالياً على قدمٍ وساق لإجراء الاستفتاء، المزمع في تاريخ 25 من شهر سبتمبر الجاري، عبر استفتاء رأي مواطني إقليم كوردستان العراق- في:
- خيار " إقامة دولة كوردية مستقلة عن الدولة العراقية"
( أو)
- خيار "البقاء كإقليم فيدرالي ضمن الدولة العراقية الاتحادية".
وبالنظر إلى مستوى الأهمية الجيوإستراتيجية المتعددة الأبعاد والاتجاهات التي يمثلها هذا الاستفتاء "كحدث تاريخي" فارق، إن في تاريخ الشعب الكوردي، وإن في مشهد الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، وفي طبيعة ثقافتها السياسية والإنسانية، ومن منطلق إهتمامي الممتد لسنوات طويلة مضت بـ"قضية الشعب الكوردي" تاريخاً وحاضراً، ومسيرة الآلام المريرة التي لحقت بالإنسان الكوردي على امتداد أزمنة طويلة، ولايزال يُقاسي فظائعها حتى يومنا هذا في كل جزء من أرضة - البالغ مساحتها نحو 485 كم2 تقريباً- المُنتهشه أجزاؤها من جهاتها الأربع.
وأمام سيل الأخبار والتحليلات والنقاشات الساخنة والمتباينة -السياسية، والقانونية، والتاريخية... إلخ - الذي حملته إلينا خلال الأسابيع الماضية التغطية الإعلامية المكثفة بشأن هذا الحدث /الاستفتاء.. يهمني في هذه السطور القليلة مناقشة النقاط التالية، المتصلة بجوهر هذا الحدث التاريخي الذي لم يعد يفصلنا عنه سوى مسافة أيام قليلة:
- من حقائق الجغرافيا والتاريخ التي يعلمها كل سكان العالم، ولا يستطيع محوها أي كائن مهما بلغت قوته وجبروته، أن الشعب الكوردي هم ضحايا الجغرافيا وتجبر القوميات المحيطة بهم من الجهات الأربع.
- أن القضية الكوردية هي مسألة "كينونة قومية"، ومن ثم ووفقاً لقانون التاريخ، فإنه لابد أن يأتي اليوم الذي فيه يتمكن الشعب الكوردي من تحقيق إرادته الذاتية وحلمه المشروع في إقامة الدولة الكوردية المكتملة السيادة والاستقلال، ليس فقط على أرض كوردستان - العراق، أو كوردستان - تركيا، أو كوردستان - ايران، أو مناطق كورد سوريا، بل في كامل مساحة وأجزاء كوردستان الطبيعية.
- أما بشأن ما تشهده اليوم الساحة العراقية والإقليمية من صخب عارم ومواقف عالية التشنج، تجاه موضوع "استفتاء إقليم كوردستان - العراق" المتوقع إجراؤه بعد أيام معدودة، أتصور أن جزءاً كبيراً من هذه المواقف المتشنجة التي نراها اليوم تجاه هذا الاستفتاء، كانت ستكون مختلفة إلى حدٍ كبير، وستتسم بقدر كبير من الاتزان والعقلانية، لو أن أصحاب هذه المواقف وخصوصاً على الساحة العراقية، نظروا إلى هذا الحدث/الاستفتاء، وتعاملوا معه من المنظور التالي:
- أن هذا الاستفتاء بالنسبه للكورد ولإقليم كوردستان العراق -ككيان قانوني/فيدرالي، وككيان قومي/شعوري، وككيان سياسي- هو الوسيلة السلمية والقانونية والديمقراطية الوحيدة المتاحة أمامهم اليوم لنيل حقوقهم (المتفق عليها مع شركائهم في كيان الوطن العراقي) المنصوص عليها في أحكام "ما يزيد عن أربعين مادة" من مواد الدستور العراقي -دستور 2005- التي صادرتها منهم الحكومة الاتحادية (شركاؤهم في الدولة العراقية) من خلال خروقاتها -المتُعّمَده ربما- لجميع تلك المواد الدستورية.
- أعتقد أنه سيكون من المفيد للغاية في هذا التوقيت تحديداً، استحضار الحقيقة الموضوعية القائلة: إنه في ظل الأوضاع المعروفة التي كانت سائدة في العراق عقب عام 2003م، كان بمقدور ممثلي الكورد في الحوارات السياسية التي أفضت إلى صياغة وإقرار دستور 2005م أن يصروا على تضمين الدستور لنص دستوري يمنح بصيغةٍ ما إقليم كوردستان حق الاستفتاء على الاستقلال عن العراق عند توفر أحوال معينة.
- أتصور أن سلوك المماطلة/ الممانعة الذي مورس على مدى السنوات الماضية من قبل الحكومة الاتحادية في بغداد، عن الوفاء بكل ما تضمنه الدستور - دستور2005- بشأن إقليم كوردستان، خلق مخاوف مبررة لدى الكورد بأن شركاءهم في كيان الدولة العراقية الحالية، ربما يُضمرون في نفوسهم القيام مستقبلاً -عند توفر الظروف المناسبة- القيام بالانقضاض على مكتسبات الوضع الفيدرالي الحالي لإقليم كوردستان- العراق، ونتيجة لذلك تولد لدى الكورد الشعور بالحاجة إلى إجراء هذا الاستفتاء، ليكون بمثابة "ضمانة قانونية وسياسية محلية ودولية" تكون بأيديهم، لمنع حدوث شيء من هذا القبيل مستقبلاً... ولهذا الحدث وهذا الحديث بقية.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



