إن تقرير المصير من الحقوق الأساسية التي اعترفت بها الأمم بعد أن ذاقت مرارة ويلات الحروب والدمار, وبعد أن اتضح لها انه لاجدوى من الاستعمار والتوسع, فالشعوب لاترضى لغيرها ان يتحكم بها, لذلك اقتنعت بأنه لابد من وضع حد لتصرفاتها. فالتأكيد على الحق في تقرير المصير جاء مرارا وتكرارا في عدة معاهدات دولية وقرارات لجمعية العمومية للأمم المتحدة, إذا فالمسألة أصبحت من المسلمات التي لا تقبل النقاش... ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل سلم الواقع بهذه القرارات؟؟؟أم أصبحت حبرا على ورق؟؟؟
الجواب بالتاكيد (لا) لان مسألة حساسة كهذه ليس من السهل أن تؤيدها الدول حفاظا على علاقاتها الدولية وعدم اتهامها بالتدخل في شؤون الداخلية ودعم (الانفصال والتمرد)...الخ. وايضا هناك دول تعارض هذه العملية خوفا من شعوب تعيش في داخلها أن تطالب بهذا الحق وتثور بوجهها. ومن جانب آخر فان هناك من يعتقد بأن مسألة تقرير المصير تقتصر فقط على الشعوب المستعمرة, وغيرها من الشعوب لايحق لها ان تطالب بهذا الحق, إلا ان هذا التفسير ليس دقيقا, لأنه حتى وان سلمنا للألفاظ والمباني في بناء تفسيرا كهذا, ألا أن ما يمليه علينا الالتزام بتطبيق روح النصوص أسمى بكثير وهذه فلسفة تفسير النصوص بالنسبة للقوانين والمعاهدات, إذا فليس من العدل أن نحرم شعوبا مستحقة تعاني نفس المعاناة على أساس كهذا.
واخيرا مهما كانت مواقف الدول ومهما كانت التفاسير, فالمسألة تتأثر بعوامل عديدة داخلية وخارجية, ويمكن للعوامل الداخلية أن ترسم تأثيرا في العوامل الخارجية, فلو افترضنا نسبة مشاركة تعلو 85 %, ونسبة مؤيدة فوق 90% في عملية استفتائية نزيهة تحت إشراف مراقبين دوليين فماذا يبقى أن يفعله المجتمع الدولي سوى الركوع إلى إرادة قوية كهذه. وهذا يوحي بأن القوة الفعالة والعوامل المؤثرة هي التي تأتي من الداخل, وهي الإرادة الحقيقية للشعب. ولا بد ان نعلم انه لا يمكننا تحقيق هذه الإرادة إلا عن طريق توفير الأمان السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمواطن, ولا يتحقق هذا الامان الا عن طريق لم شمل جميع القوى السياسية (و ما اعنيه هنا هو القيام بكل ما هو ضروري للم الشمل) بحيث لايبقى أحدا خارج هذه العملية, مرورا بمحاربة الفساد والتحري عن أسبابه من أجل استئصاله, والشروع بإصلاحات جوهرية وأساسية و جدية وملموسة حيث يرى المواطن ثمارها وبالتالي تساهم في تكوين قناعته وتعزيز روح الوطنية والانتماء في داخله. و من جانب آخر يجب على الأحزاب السياسية أيضا أن تساوم عن بعض مطالبها من أجل تخطي العقبات, والتاريخ سيبارك أية مساومة من أجل الوطن, وهكذا على المواطن ايضا ان يتعامل مع هذه العملية بروح الانتماء والإخلاص ويغض النظر عن بعض مساوئ الحكومة, ولا يتخذ من هذه العملية فرصة للثأر.
واخيرا نقول ان تقرير المصير هو حق مشروع لا يمكن إنكاره, وحتى لو أنكره البعض فإن مشروعيته لا تتأثر وتبقى قائمة, وان ارادة الشعوب هي القوة الضامنة لنيل هذا الحق حتى وان استصعبت عليها مسيرتها بسبب عراقيل الا أن المسألة فقط مسألة وقت سيحسمها الاصرار والمثابرة في يوما ما, لذلك أقول لا بأس فلنحاول كل ما بوسعنا لإقناع المجتمع الدولي لحشد المؤيدين ونعطي الاطمئنان للجيران و هذا من المسلمات التي لابد منها, ولكن الزخم الأكبر يجب ان ينصرف الى الداخل والى بناء إرادة الداخلية (إرادة الشعب) التي هي مصدر و محل هذا الحق من أجل تحريك وجدانه وضميره وهذا لن يتحقق إلا عن طريق زرع روح الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة و ادارة حكيمة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية.

.jpg&w=3840&q=75)

