المشهد العراقي يمر بمرحلة معقدة وتشابك سياسيا، أمنيا، اقتصاديا وثقافيا، اقترنت بأزمات شاملة وإستشراف للعنف والفساد جراء فشل مشروع إعادة بناء الدولة العراقية بعد 2003 بسبب الإعتماد على ركائز هجينة للمحاصصة الإثنوطائفية في بناء الدولة وإعادة هيكلة مؤسساتها، والنتيجة إنتاج تقاسم وظيفي للسلطة، مع تدخلات دولية وإقليمية كرست مسار الفشل وختمت كل ملفاتها.
ومع نهاية داعش المرتقبة في العراق الكل متخوف من ما بعد داعش، وعن طريقة إدارة المحافظات المنكوبة، وطرق السيطرة على حدودها المتنازع عليها، وخاصة مناطق المادة 140 من الدستور العراقي المختلف عليها، وصولا إلى خلافات على حدود محافظة الأنبار مع كربلاء وغيرها من المناطق المهددة بتغيرات ديمغرافية.
مخاوف تثير الخلاف حيث تعدد الآراء والرؤى في تنافر واضح لأجوبة شبه متفق عليها بين طرفين من الفرقاء السياسيين على أقل تقدير.
وهذا الخلاف أن أستمر فان مقومات ظهور أي جماعات متطرفة ستكون واردة في ضوء تلك المعطيات في أي لحظة.
ومن هنا يمكن الإشارة إلى خطورة الوضع في محافظة نينوى ومستقبلها وتأثيرها على الوضع العراقي بصورة عامة، كونها ثاني أكبر محافظة عراقية ولطبيعة تكوينها الإثنوطائفي، وما لحقت بمكوناته من آثار إجرامية تحتاج إلى معالجة إستثنائية وبرسائل قانونية واضحة تعيد التعايش السلمي إلى وضعها الطبيعي.
وهنا نواجه تحديات كبيرة لإدارة التنوع واشكالية الهوية بالتزامن مع السوء الكبير لإدارة الحكومات العراقية في إدارة التنوع بعد 2003 ، حيث غابت المواطنة متعددة الثقافات وحضرت الولاءات الطائفية والفئوية الضيقة بقوة، ليكون الحضور القوي لثقافة الكراهية والإقصاء والعنف والتطرف والأحقاد.
والتسييس الطائفي هنا عزز الصراعات وأضعف ثقافة التسامح والتعايش، ليظهر لدينا إنقسام مجتمعي وسياسي وثقافي وديني وطائفي، خلفت ظاهرة تشتت الولاءات بل وتنافرها إلى درجة الصراع والصدام والإستقواء بالخارج.
المنظومة السياسية التي غلفت بطابع ديني مذهبي أثبتت بأن الإسلام السياسي المذهبي فشل في ادارة الدولة بعد 2003 وهوية الدولة معها تبدو هجينا متنافرا بين إدعاءات الديمقراطية والمدنية المغلفة بالتعليمات الدينية المذهبية، لتصبح لدى العقل الجمعي للشعب العراقي الحاجة للدولة المدنية التي تقوم على الفصل الوظيفي بين الدين و الدولة.
وهنا يظهر السؤال الملح لنينوى التي ستحدد مصير العراق وشكلها الإداري الجديد بعد إكمال تحريرها من تنظيم داعش.
هل ستبقى نينوى موحدة بعد تحريرها من داعش؟ وهي ملبسة بمخلفات الفشل الإدارية لكافة ملفاتها التي تعقدت بممارسات داعش الإرهابية وما خلفته من آثار سبي وقتل وتهجير وتمزيق لنسيجه الإجتماعي.
سؤال يؤرق الجميع بعد أن أصبحوا الحلقة الأضعف في تحديد مصيرهم ، والجميع متخوف من جولة جديدة من العنف لتحصيل حقوقه بعد داعش، الجميع متخوف من هذا الصراع وعن شكل إدارة مناطقهم وهم يتهامسون في المطالبة بإقليم، وتكويون محافظات جديدة وبمن ترتبط، ملوحين بالتدويل والتدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة .
سيناريوهات كثيرة تحتاج لتفكير عميق وخطوات واضحة لضمان المستقبل الآمن ، وعلينا الإقرار هنا أن هناك مجموعة من التقاطعات للقوى المحلية والاقليمية التي تتنازع المحافظة وعلينا الإنتباه أن بعض أبناء الموصل يرى أن المحافظة تتمتع بهوية خاصة متمايزة عن محيطها كله وهذا عندهم يبرر فكرة الإقليم الذي لا ينفصل عن العراق، فيما يرى غيرهم الحل في تقسيم نينوى الى محافظات وضم بعضها الى إقليم كوردستان.
وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربات مبنية على التوافق بشان نينوى وعلى المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والدولية، وهذا الاستنتاج بالغ الأهمية ويشكل المدخل المناسب للحل.
ومن هذا الإستنتاج يتبين لنا الحاجة الى نمط جديد من السياسة، نحتاج لحلول سياسية توافقية ديمقراطية توقف الحرب وتنشئ نظاما تعاقديا جديدا يحمي الجميع ويحظى برضى الجميع.
ومن أهم المفاتيح السياسية لحلحلة المشاكل يجب إتخاذ إجراءات إستثنائية في موضوعات السلم المجتمعي، وإعادة الإعمار, اقتصاديا، اجتماعيا وثقافيا، تعليميا وحتى نفسيا، وهنا يأتي دور الدولة والمنظمات المانحة كما تبرز الحاجة لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار نينوى.
وقد نحتاج هنا إلى شكل من أشكال الحماية الدولية الأمنية لحماية المدنيين ومنع تكرار المآسي، فالمجتمع لايستطيع أن يؤدي وظيفته وينعم بالإستقرار إلا إذا كان النظام السياسي حاضنا الإختلافات والتباينات الإجتماعية والدينية والسياسية, مرحبا بها لا قامعا لها في عملية دينامية دائمة متواصلة التغير والتطور.
بالطبع عندما نأتي للتطبيق سنواجه كما هائلا من التعقيدات والتأثيرات والتدخلات، فلايوجد موديل متكامل يصلح لكل زمان ومكان ولكن هنالك اتجاهات ومنطلقات وأسس عامة يمكن الإعتماد عليها وتطويرها في مجرة العمل.
وأخيرا فإن كل هذه الإجراءات وتحقيقها تحتاج إلى فترة إنتقالية من ثلاث الى خمس سنوات.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية



