يعتبر شمعون بيريز المهندس لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي طرحه في نهاية الثمانينات وركز فيه على توأمة العقل والذكاء ومهارة اليهود التجارية مع الثروة العربية ، لجعل الدولة العبرية مركزها سياسيا واقتصاديا ، وبموقع المهيمن عليها ، وهو ما عبرت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس عن مخاض تشكل شرق أوسط جديد بعد حرب تموز 2006) . حرب لبنان الثانية ) .
فأمريكيا وبعد حرب الخليج الثانية 1991 حاولت تحديد الوضع الجديد في المنطقة بقضايا متداخلة في بعدها العالمي والإقليمي مثل التسلح ومشكلة اللاجئين والصراع على المياه والإندماج الاقتصادي فسعت الى تأسيس نماذج للتعاون والتكامل الإقتصادي والأمني على أسس جيوستتراتيجية وجيوإقصادية وكان الهدف ولايزال كل ذلك هو تقويض النظام الإقليمي العربي .
وفي هذا الإطار كان مشروع الشرق الأوسط الجديد كحصيلة أفكار ونشاطات بين الولايات المتحدة وإسرائيل في أطار تعاوني ومؤسساتي يهدف الى إعاده صياغة خارطة المنطقة بفضل عرض صيغ كثيرة بالتركيز على الإندمادج الإقصادي ونشر مفاهيم العولمة بأوجهها كافة وتكون ثوابتها سوقا شرق أوسطية مركزها إسرائيل تتوسع بالتدريج لتجعل منها القوة المهيمنة إقصاديا وتكنلوجيا وأمنيا .
وتقدم بهذا الطرح شمعون بيريز في كتابه " الشرق الأوسط الجديد " كما أشرنا سابقا ، وكذلك بنيامنين نتيناهو في كتابه " مكان تحت الشمس " إذ قدمت إسرائيل على أنها دولة متقدمة صناعيا وسط محيط من التخلف العربي على وفق الرؤية الإسرائيلية ودولة ديمقراطية بين نظم دكتاتورية وقوة عسكرية رادعة تمكنت من جلب العرب الى طاولة المفاوضات بعد إقناعهم بأن لا مجال لهزيمة اسرائيل عسكريا .
وتضمن فكرة الشرق الاوسط الجديد برامج للتعاون الإقتصادي في قطاعات ومشاريع محدودة المشاركة في الموارد الطبيعية والتكنلوجية والبشرية ، والتعاون في ميادين البحث العلمي ، وتوسيع أسواق المنطقة لجذب الإستثمارات الخارجية وتأسيس صندوق إقليمي للتنمية في الشرق الأوسط كما تقدمت تل أبيب أيضا بمقترحات التنسيق الأمني بين الدول العربية وبينها ، وصولا الى إقامة نظام للإنذار المبكر يقوم على جمع وتبادل المعلومات الإستخباراتية والأمنية بينها وبين الدول العربية وبما يكفل الحيلولة دون حدوث أزمات مفاجئة وإدارة الأزمة وقائيا .
ويسعى مفهوم الشرق الأوسط الى إلغاء مفهوم الوحدة العربية عبر تحول الوطن العربي الى منطقة متعددة الأطراف والطوائف والقوميات في إطار نظام إقليمي أساسه المصالح الإقتصادية والتجارية ، فتظهر إسرائيل وكأنها الطرف الأساسي الى جانب مجموعات من الدول تتسم بالتعدد والتنوع الثقافي والعرقي والديني فضلا عن إسرائيل ، ايران ، تركيا ، باكستان ، كردستان . . وبذلك يكون النظام الإقليمي العربي ، هو قلب النظام الاقليمي الشرق أوسطي ، إستغلالا للوضع الدولي المتمثل بتحول الولايات المتحده الأمريكية الحليف الإستتراتيجي لإسرائيل الى قوة مركزية .
إذاً يراد للترتيبات الشرق أوسطية في المنظور الإسرائيلي أن تأخذ مدى أفقيا من حيث عدد الأطراف المشاركة فيه ، وعموديا من حيث شمولية تفاعلاته يمتد من حدودها الى اي جزء من الوطن العربي يمكن ان يشكل تهديدا لأمنها او اي مجال لا تستطيع تغطيه بقوتها العسكريه لخلق مجال هيمنة ضمن علاقات إقتصادية وإجتماعية وفكرية متداخلة تشكل فيها الإعتمادية على الدور الإسرائيلي نمطا جديدا لتحقيق مجالها الحيوي . كما يؤكد ذلك استاذ العلوم السياسية الدكتور فراس الجحيشي في كتابه التوازنات الإستراتيجية .
نستطيع القول أن ما تتعرض له الدول العربية من مسيرات وثورات وحروب مجرد طريق ووسيلة لتنفيذ المشروع ووضعه بالنتائج المرجوة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية



