رووداو ديجيتال
تتجه ظاهرة إل نينيو هذا العام إلى تحطيم الأرقام القياسية التاريخية لدرجات حرارة المحيطات، لتصبح واحدة من أقوى الظواهر المناخية المسجلة عالمياً.
ما هي ظاهرة إل نينيو؟
إل نينيو ظاهرة مناخية طبيعية تتكرر كل سنتين إلى سبع سنوات، وتستمر عادة بين 9 و12 شهراً. ويعتقد العلماء أنها تؤثر في مناخ الأرض منذ مئات الملايين من السنين.
في الظروف الطبيعية، تدفع الرياح فوق المحيط الهادئ المياه الدافئة من الشرق إلى الغرب، أي من سواحل الإكوادور وبيرو باتجاه إندونيسيا. لكن خلال ظاهرة إل نينيو، تضعف هذه الرياح، ما يسمح للمياه الدافئة بالتحرك شرقاً، ويؤدي إلى تغيرات في درجات حرارة المحيط واضطراب أنماط دوران الغلاف الجوي.
ويمتد تاريخ تأثير هذه الظاهرة إلى المجتمعات القديمة، إذ تشير اكتشافات أثرية إلى أن بعضها لجأ إلى تقديم الأطفال قرابين في محاولة لتجنب آثار الأمطار الغزيرة المرتبطة بإل نينيو.
ومن بينها حضارة «تشيمو» في بيرو، التي كانت تقدم الأطفال قرابين اعتقاداً منها بأن ذلك سيحميها من الأمطار الغزيرة.
وفي عام 2011، اكتُشفت مقبرة جماعية شمالي بيرو تضم رفات 250 طفلاً، يعود تاريخ وفاتهم إلى الفترة بين عامي 1400 و1450 ميلادية. وأظهرت الاكتشافات أن الأطفال قُدموا قرابين في محاولة للحماية من آثار ظاهرة إل نينيو، ودُفنوا إلى جانب صغار حيوان اللاما.
وتؤثر ظاهرة إل نينيو في الأنماط المناخية بمناطق مختلفة من العالم، إذ قد تتسبب بالجفاف وارتفاع درجات الحرارة في أستراليا وأجزاء من آسيا وأفريقيا، بينما تؤدي في مناطق أخرى، منها أميركا الجنوبية وأجزاء من الشرق الأوسط، إلى أمطار غزيرة وعواصف وسيول مفاجئة.
توقعات بتحطيم أرقام قياسية
وقال تيم ستوكديل، العالم في المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، وكارلو بونتيمبو، مدير خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ، في حديث خاص لشبكة رووداو الإعلامية، إن "ظاهرة هذا العام هي حدث يحطم الأرقام القياسية وستستمر في تحطيمها".
وأوضح الخبيران أن الانحرافات اليومية في درجات الحرارة عن معدلاتها المعتادة بدأت تتجاوز أعلى المستويات القياسية المسجلة سابقاً.
وأضافا أن "درجات حرارة سطح البحر المرتفعة والشذوذ في درجات الحرارة قد حطمت الأرقام القياسية الشهرية منذ شهر حزيران، وتشير التوقعات إلى أن هذا الوضع سيستمر. لدينا توقعات قوية بأننا سنشهد أعلى مستويات حرارة لسطح البحر أو أكبر شذوذ في درجات الحرارة بسبب ظاهرة إل نينيو".
كما أشارا إلى أن ظاهرة إل نينيو الحالية قد تكون من بين الأقوى المسجلة تاريخياً، قائلين: "نتوقع أن تكون ظاهرة إل نينيو هذه ضمن الأكبر التي تم تسجيلها على الإطلاق، على غرار سنوات 1982 و1997 و2015، لكنها هذه المرة تحدث في بيئة أكثر دفئاً من أي وقت مضى، ولذلك ستحطم درجات الحرارة المطلقة الأرقام القياسية بفارق كبير جداً".
وحذر الخبيران من أن تداعيات هذه الظاهرة قد تكون كبيرة جداً.
تأثير ظاهرة إل نينيو على إقليم كوردستان والعراق
قالت فانيسا كارداموني، المختصة في مواجهة مخاطر الكوارث والتكيف مع المناخ في منظمة «بلانيت أدابت» الدولية، إن ظاهرة إل نينيو قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات هطول الأمطار في العراق وسوريا، محذرة من زيادة مخاطر السيول والفيضانات.
وأوضحت كارداموني: "إن ظاهرة إل نينيو تخلق تأثيرات مختلفة على المنطقة. فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن تكون كمية هطول الأمطار في العراق وسوريا أعلى بكثير من المعدلات الطبيعية. وعلى الرغم من أن هذا يعد خبراً ساراً للمزارعين لتحقيق محصول أفضل، لكنه يخلق خطر وقوع كوارث طبيعية، لا سيما الفيضانات، في كلا البلدين".
وحذرت كارداموني السلطات والمنظمات الإنسانية في العراق وسوريا ولبنان وإيران من مخاطر الشتاء المقبل، داعية إلى الاستعداد لمواجهة تداعيات الأمطار الغزيرة، خصوصاً في المناطق التي تضم أعداداً كبيرة من النازحين واللاجئين.
وأشارت إلى أن السيول والفيضانات قد تتسبب في تضرر البنية التحتية للصرف الصحي، ما يزيد من مخاطر انتشار الأمراض المنقولة عبر المياه.
سيول أربيل
اجتاحت السيول، أمس السبت (7 تشرين الثاني 2026)، عدداً من مناطق مدينة أربيل، عقب هطول أمطار غزيرة خلال فترة قصيرة.
وقال مدير هيئة الأنواء الجوية والزلازل في إقليم كوردستان، فاضل إبراهيم، لشبكة رووداو الإعلامية: "هذه الموجة نتجت عن منخفض جوي. كنا نتوقع أن تبلغ ذروتها يوم السبت".
وبشأن استمرار الموجة، أوضح: "ستستمر اليوم في عموم إقليم كوردستان، ولكن بكثافة أقل. بعد الظهر، هناك احتمال أن تشتد مجدداً. غداً، سيعود الوضع إلى طبيعته، ولكن ستنخفض درجات الحرارة. سيؤدي هذا إلى انخفاض الحرارة بمعدل 3 إلى 4 درجات، مما يسبب تساقط الثلوج في المناطق الجبلية".
من جانبه، قال محافظ أربيل، أوميد خوشناو، لشبكة رووداو الإعلامية، إن التوقعات الأولية أشارت إلى هطول نحو 30 ملم من الأمطار، لكن الكمية الفعلية بلغت قرابة 80 ملم خلال ساعتين فقط من مساء السبت، ما أدى إلى حدوث السيول.
وتعليقاً على ذلك، أوضح مدير هيئة الأنواء الجوية والزلازل في إقليم كوردستان: "بدأ هطول الأمطار في أربيل من الساعة 5 من مساء يوم السبت، ولكن بين الساعتين 7 و9 مساءً كانت نسبة الهطول هي الأعلى. كان المطر متوقعاً، لكن كميته (في تلك الفترة القصيرة) كانت غير متوقعة. والسبب في ذلك هو انفجار السحب، مما أدى إلى هطول أمطار غزيرة وسريعة".
وعن العلاقة بين هذه الأمطار وظاهرة إل نينيو، قال فاضل إبراهيم: "ظاهرة إل نينيو لها تأثير على العالم بشكل عام وعلى إقليم كوردستان. هذا العام، ظاهرة إل نينيو قوية جداً. كنا قد توقعنا بسببها أن يكون معدل هطول الأمطار هذا العام أعلى بنسبة 25% على الأقل من متوسط السنوات السابقة".
110 ملايين دولار لمساعدة 4.9 مليون شخص
وطلبت المنظمة الدولية للهجرة توفير تمويل عاجل بقيمة 110 ملايين دولار لحماية ومساعدة 4.9 مليون شخص نزحوا جراء المشكلات البيئية، في ظل المخاوف من تفاقم التداعيات المدمرة لظاهرة إل نينيو.
وأوضحت المنظمة أن الظاهرة تسببت بفيضانات مدمرة في بعض المناطق وجفاف شديد في مناطق أخرى، ما يزيد من مخاطر النزوح الجماعي والتشرد وفقدان سبل العيش لملايين الأشخاص، خصوصاً في البلدان ذات البنية التحتية الضعيفة.
من جانبه، سلط برنامج الأغذية العالمي، في تقرير نشره يوم 15 تشرين الأول، الضوء على العلاقة المباشرة بين ظاهرة إل نينيو وتفاقم الجوع على مستوى العالم.


