رووداو ديجيتال
على بعد خطوات من جدار تصدّع بفعل غارة جوية إسرائيلية، تدور عجلات الخزف بهدوء في بلدة الزرارية بجنوب لبنان. هنا، في ورشة ومساحة "أباجور" (Abajour) الإبداعية، تحوّل تشكيل الطين من مجرد ممارسة فنية إلى مساحة للتعافي النفسي والتعبير ومقاومة تداعيات الحرب المستمرة.
وتفتح الورشة أبوابها للأطفال والشباب والبالغين لاكتشاف فنون متنوعة، يتقدمها الخزف والفخار، في تجربة بدأت قبل نحو ثماني سنوات بمبادرة فردية من مؤسسة المكان وفاء بلال، قبل أن تتطور تدريجياً إلى مساحة مجتمعية مفتوحة للجميع.
وحول انطلاقة المشروع، تقول وفاء بلال لوكالة أسوشيتد برس: "بدأ هذا المكان منذ نحو ثماني سنوات كورشة خاصة بي، حيث كنت متخصصة في تقنيات تعتيق الخشب والتصميم الداخلي. ومع مرور الوقت، تطور تدريجياً ليصبح مساحة إبداعية يقصدها الناس لتعلم أشكال مختلفة من الفنون، بما في ذلك صناعة الفخار والخزف".
وعن رؤيتها للمكان في ظل ظروف المنطقة، تضيف بلال: "كان هدفي إيجاد مساحة في الجنوب يجتمع فيها الجميع، لبناء هذا المجتمع الفني الجميل والتعلم من بعضنا البعض. يمكن للمدربين أيضاً القدوم وتقديم ورش عمل مجانية، ليحظوا بمساحة خاصة لمشاركة مهاراتهم، مع منح أفراد المجتمع فرصة الاستفادة من هذه الورش".
ندوب الغارة وشظية صاروخ
وعلى غرار العديد من بلدات وقرى الجنوب اللبناني التي طالتها الحرب بين إسرائيل وحزب الله، لم تسلم مساحة "أباجور" من الاستهداف الجوي، إذ تعرض المبنى لغارة إسرائيلية دمرت جزءاً منه.
وتوثق جدران الورشة تفاصيل تلك اللحظة، فبجانب شرخ غائر في السقف، كُتب بالطلاء تاريخ وتوقيت الهجوم: "الاثنين، 6 نيسان، الساعة 6:48 مساءً". واليوم، تحتفظ بلال داخل المكان بقطعة من شظايا الصاروخ الإسرائيلي شاهداً على ما جرى، بينما حلت شوادر النايلون المؤقتة محل زجاج النوافذ المتناثر، وظلت الشقوق بادية على الأعمدة الإسمنتية والجدران.
وتروي وفاء لحظات الصدمة والعودة قائلة: "تعرضت أباجور لضربة جوية، وهو أمر لم أكن أتوقع حدوثه على الإطلاق. وقع ذلك في السادس من نيسان، واكتشفت حينها أن جزءاً كبيراً من المكان قد دُمّر. بعد توقف إطلاق النار، عدت خلال الهدنة، وكان السقف مهدداً بالانهيار، فقمت بتدعيمه وعملت على ترميم المكان قدر استطاعتي في تلك الفترة".
وتوضح مؤسسة المشروع أن استكمال عمليات الترميم الشاملة ليس أولوية في الوقت الراهن، نظراً للضائقة المالية والقيود الاقتصادية، إلى جانب المخاوف الأمنية المستمرة، مفضلة الاكتفاء بالإصلاحات العاجلة التي تضمن سلامة الزوار واستمرار فتح الأبواب أمامهم.
ملاذ نفسي وهروب من الشاشات
ولم يعد ارتياد الورشة بالنسبة للمشاركين مجرد تعلم حرفة يدوية، بل أصبح متنفساً ضرورياً للهروب من ضغوط الحرب والتوتر اليومي المتراكم، إذ يجلس الزوار ويتحسسون الطين الرطب بأيديهم، محاولين تشكيل أكواب وأوانٍ صغيرة تعيد إليهم الهدوء الداخلي.
وتصف فاطمة زركط، إحدى المشاركات في ورش الفخار، أثر التجربة قائلة: "جئنا وخضنا التجربة، وكانت حقاً تجربة رائعة، خاصة من الناحية النفسية. إنها تساعدك على الاسترخاء والتركيز وتفريغ الطاقة السلبية، فالمعروف أن الطين يمتص الطاقة السلبية. كما أن ملامسة الطين والعمل به بالأيدي شعور جميل يمنحك إحساساً رائعاً".
وتتابع زركط: "حين نغادر، نشعر بأننا أنجزنا شيئاً ملموساً، حتى لو كان مجرد كوب صغير، ونكون في الوقت نفسه قد أمضينا وقتاً نوعياً ومفيداً بعيداً عن هواتفنا وشبكات التواصل الاجتماعي".
ورغم الركام المحيط والشقوق التي تزين جدران "أباجور"، وتحديات العمل تحت وطأة التهديد الأمني، تصر وفاء بلال على مواصلة تعليم طلابها واستقبال الزوار، مؤكدة تمسكها بهذه المساحة: "ما زلنا هنا، سعداء بوجودنا ومستمرون في العمل".


