رووداو ديجيتال
صرح الباحث الاختصاصي في مجال التاريخ، والأستاذ الجامعي، إسماعيل حصاف، لشبكة رووداو الإعلامية، بأنه قبل حرب الأيام الستة عام 1967، كانت هناك 164 قرية كوردية في منطقة الجولان".
في مقابلة له مع شبكة رووداو الإعلامية، يوم الثلاثاء، (6 تشرين الأول 2026)، ضمن برنامج (نوروج)، الذي تقدمه نالين حسن، قال إسماعيل حصاف، إنه كانت في منطقة الجولان 164 قرية كوردية، وكانت مساحة كبيرة جداً من الأراضي الزراعية في أيدي الكورد.
وكانت قد صدرت عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، طبعة جديدة من كتاب "الجولان: دراسة في جغرافية الإقليم" للكاتب الدكتور أديب سليمان باغ، ويقع الكتاب في 496 صفحة.
هذه الدراسة، هي في الأصل أطروحة الدكتوراه التي قدمها الكاتب في جامعة السوربون بباريس عام 1958، وتُرجمت لاحقاً إلى العربية في دمشق خلال ثمانينيات القرن الماضي.
أُعِدَّ الكتاب قبل نحو 10 سنوات من حرب حزيران 1967، لذلك، يقدم صورة حية لتلك الحقبة من مرتفعات الجولان، حين كانت المنطقة لا تزال تعج بقراها وحقولها وأسواقها ومجتمعها النابض بالحياة.
الكاتب، الدكتور أديب سليمان باغ، هو نفسه من أبناء الجولان؛ وهذا ما يجعل من دراسته مزيجاً أكاديمياً يجمع بين الخبرة الجغرافية والمشاهدات المباشرة للمنطقة.
تاريخ خفي يظهر للعيان
قدّم إسماعيل حصاف معلومات حول تاريخ كورد الجولان ومحتوى هذا الكتاب، وأكد أنه "كانت هناك 164 قرية كوردية في الجولان".
أشار إسماعيل حصاف، إلى أن هذا الكتاب يعد وثيقة مهمة في مواجهة سياسة طمس الهوية الكوردية، وقال: "يعتقد الناس أن بضعة كورد فقط كانوا يعيشون بشكل متفرق في الجولان، لكن هذا الكتاب يكشف أنه قبل حرب 1967، كانت هناك 164 قرية كوردية". وقد حدد مؤلف هذا الكتاب أسماء القرى ومواقع الكورد بشكل جيد.
وذكر الدكتور حصاف أن الكورد لم يكونوا أصحاب نفوذ فحسب، بل كانوا يمتلكون مساحات شاسعة من الأراضي أيضاً، وأردف قائلاً: "ثلاث عائلات كوردية فقط من دمشق كانت تملك أكثر من 450 ألف دونم من الأراضي في الجولان. وقد كان الكورد هناك إقطاعيين (آغاوات)، وكان دورهم كبيراً جداً في الزراعة وتربية المواشي والتجارة وحتى في القوة العسكرية. كان تأثيرهم قوياً في المنطقة وكانوا بمثابة حكام إداريين".
جذور الكورد في دمشق والجولان
ويُرجع الدكتور حصاف تاريخ قدوم الكورد إلى دمشق ومنطقة الجولان إلى ثلاثة آلاف عام، أي إلى فترة الدولة الميتانية، لكنه يربط وجودهم البارز والحديث بقدوم صلاح الدين الأيوبي.
قدم الدكتور حصاف معلومات حول هذا الموضوع، قائلاً: "في عام 1174، عندما جاء صلاح الدين بناءً على طلب علماء وأعيان دمشق واستولى على المدينة، صار جنوده وقواته الكوردية حماة للحدود والمناطق الاستراتيجية. والجولان أيضاً منطقة استراتيجية وجيوسياسية للغاية تقع على حدود الأردن ولبنان وفلسطين".
كما لفت الانتباه إلى بناء الأحياء القديمة في دمشق على أيدي الكورد، وقال: "حي ركن الدين سُمي على اسم الأميرين الأيوبيين ركن الدين وشرف الدين، وحي الميدان كان مكان جنود صلاح الدين. لقد عمَّر الكورد كل تلك المناطق".
"سياسة الصهر والدين كانتا سبباً في نسيان اللغة"
على الرغم من ذلك الحضور القوي، فإن السؤال الذي يُطرَح هو: "لماذا نسي كورد دمشق والجولان لغتهم وحدث بينهم انصهار سريع؟".
وقد ربط إسماعيل حصاف سبب ذلك بالبعد الجغرافي والوضع الديني، وأوضح قائلاً: "كانت مناطقهم بعيدة عن مركز كوردستان. كما أن القوميات مثل الأرمن كانت لديهم كنائسهم التي تحافظ على لغتهم، ولكن لأن الكورد كانوا مسلمين، فقد استخدموا اللغة العربية في المساجد والمدارس، وكانت تعاملاتهم التجارية باللغة العربية. هذا الأمر، إلى جانب قرون من البعد وسياسة الصهر التي اتبعتها الحكومة السورية، أدى إلى نسيان اللغة الكوردية".
الدعوة للعودة إلى الهوية
عقب حرب الأيام الستة في حزيران عام 1967 وسيطرة إسرائيل على جزء كبير من الجولان، نزح معظم كورد الجولان إلى دمشق ومناطق أخرى. لكن الباحث التاريخي، إسماعيل حصاف، أشار إلى أن التاريخ لا يضيع هذه الحقائق أبداً، وقال: "إن وجودهم مثبت في التاريخ. أسماء قراهم وعائلاتهم وعشائرهم مثل يوسف باشا والبرازي والزازا موجودة في السجلات، وهذا لا يمكن نسيانه".
دعا إسماعيل حصاف كورد تلك المنطقة إلى التمسك بهويتهم، وقال: "في هذه التغيرات الجديدة في سوريا، سنحت فرصة صغيرة للكورد. ويجب على الكورد، سواء كانوا من الجولان أو من مناطق أخرى، أن يتمسكوا بانتمائهم. يجب عليهم أن يعودوا إلى قوميتهم، وعلى بعض منهم أن يسعوا إلى تعلم لغتهم الأم من جديد".
تقع مرتفعات الجولان في محافظة القنيطرة السورية، وهي عبارة عن هضبة ذات أهمية استراتيجية وعسكرية وجغرافية كبيرة. وتبلغ مساحتها نحو 1200 كيلومتر مربع، وتقع على الحدود المشتركة بين إسرائيل وسوريا والأردن ولبنان. ويمنح ارتفاع المنطقة نقطة سيطرة عسكرية على شمال إسرائيل وجنوب سوريا، كما أنها مصدر غني جداً للمياه العذبة للمنطقة بأكملها.
سيطرت إسرائيل على الجولان من سوريا في حرب الأيام الستة عام 1967، وضمتها رسمياً إلى أراضيها في عام 1981. وتعتبر الأمم المتحدة وغالبية دول العالم الجولان "أرضاً سورية محتلة"، لكن الولايات المتحدة في عام 2019 وكولومبيا في عام 2026 اعترفتا رسمياً بسيادة إسرائيل على تلك المنطقة.
ثلاث فئات من الكورد في الجولان
وفقاً لدراسة الدكتور أديب سليمان باغ، كان الكورد جزءاً من السكان الأصليين للجولان، لكنه لا يعرفهم بصفتهم مكوناً متجانساً، بل يقسمهم إلى ثلاث فئات رئيسة:
الفئة الأولى - الكورد المستعربون: لا يتحدث هذا القسم سوى باللغة العربية. يعيشون في السهول والبادية ونمط حياتهم يشبه نمط حياة العرب البدو. يطلق عليهم المجتمع العربي لقب "آغا"، وهو لقب كوردي أصيل يستخدم للزعماء والوجهاء. يكاد يكون هذا اللقب العلامة الوحيدة المتبقية على أصلهم الكوردي.
الفئة الثانية - القرويون وسكان المدن: تتألف هذه الفئة من الكورد القرويين وسكان المدن. كان يعيش منهم نحو 50 شخصاً في مدينة القنيطرة، حيث كانوا يمارسون التجارة الصغيرة ولديهم علاقات قوية مع البدو. وفي العديد من القرى، كان الكورد يمارسون مهناً، حيث كانوا قصّابين أو أصحاب دكاكين.
الفئة الثالثة - الكورد أصحاب الأراضي الواسعة: كانت هذه المجموعة تمتلك عقارات وأراضي شاسعة. كانت أراضيهم في الجولان تدار عبر وكلاء وعمال، بينما كانت عائلاتهم تقيم في دمشق.
بحسب الكتاب، كانت هذه العائلات من أكبر ملاك الأراضي في الجولان، حيث كانت ثلاث عائلات كوردية فقط تمتلك 452 ألفاً و925 دونماً من الأراضي الزراعية في المنطقة.



