رووداو ديجيتال
في داخل متجر صغير بحي "الروضة" التابع لمديرية صالة في قلب مدينة تعز اليمنية، تحاول عائلة منصور عائضة أن تلوذ بمأوى مؤقت يقيها ويلات الحرب، بعد رحلة نزوح قاسية فراراً من المعارك والقصف العنيف في الريف الغربي للمحافظة.
المكان هنا لا يمتّ للبيت بصلة، فأواني الطهي والبطانيات والمستلزمات البسيطة المتناثرة داخل المتجر لم تجلبها العائلة من منزلها، بل جاد بها فاعلو خير بعد وصول أفراد الأسرة إلى تعز دون أن يتمكنوا من حمل أيٍّ من مقتنياتهم، إثر هروبهم على عجل تحت وطأة النيران.
لحظة القصف ومأساة الفراق
بدأت المأساة حين سقطت قذيفة بالقرب من أفراد العائلة في نحو الساعة الثامنة مساءً بينما كانوا يتناولون وجبة العشاء، وفق ما يرويه منصور وشقيقته نعمة. أسفر القصف عن مقتل زوج شقيقته على الفور، وإصابة ابنتيه، ليتم نقلهم لاحقاً إلى المدينة على متن سيارة إسعاف تابعة للمقاومة الشعبية والسلطات الحكومية وسط حالة من الذعر الشديد.
وفي غمرة الفوضى والهلع التي رافقت النزوح، تشتت شمل الأطفال، فقد انفصل اثنان من أبناء منصور عن بقية العائلة، حيث تمكن لاحقاً من استعادة ابنه البالغ من العمر 12 عاماً، بينما لا يزال طفله الآخر ذو التسعة أعوام مفقوداً حتى اللحظة.
يقول منصور عائضة، النازح من مديرية مقبنة، مستذكراً تلك اللحظات العصيبة: "لدي ستة أطفال، بنتان وأربعة أولاد.. تسبب قصف الحوثيين في نزوحنا ودفعنا للفرار إلى تعز. ابني الأكبر يبلغ من العمر 12 عاماً والآخر تسع سنوات، هما من ركضا وابتعدا عنّا حينها، بينما بقيت أنا مع أطفالي الأربعة الآخرين. وفي وقت لاحق، نجحت في استعادة أحدهما فقط".
ويضيف منصور بنبرة يملؤها العجز بشأن مصير طفله الآخر: "حاولنا التواصل مع الجميع وأبلغنا النقاط الأمنية، لكنهم للأسف أجابوا بأنهم لا يعرفون عنه شيئاً.. لقد ذهبت كل الجهود سدى، والله وحده يعلم أين هو الآن".
أم تبحث عن 6 من أطفالها
وإذا كانت مأساة منصور قاسية، فإن فاجعة شقيقته "نعمة" تفوقها ألماً ومرارة، إذ لم تفقد زوجها الذي كان يعمل صانع أحذية فحسب، بل شُتت معظم أطفالها الثمانية، ولم تتمكن من النجاة سوى بطفلتين تبلغان من العمر 7 و8 سنوات، بينما لا يزال ستة من أطفالها (ثلاثة أولاد وثلاث بنات، تتراوح أعمارهم بين 6 و10 أعوام) في عداد المفقودين.
وتروي نعمة معاناتها قائلة: "لدي ثمانية أطفال في المجمل، أخذت معي بنتين اثنتين فقط لحظة القصف، حيث قُتل زوجي على الفور. لا يزال لدي ستة أطفال مفقودين.. ثلاثة أولاد وثلاث بنات، لا أعلم إلى أين ذهبوا، وحتى هذا اليوم أجهل مصيرهم تماماً".
وإلى جانب ألم الفقد، تعاني نعمة من إصابة بشظية في رئتها تستدعي رعاية طبية مستمرة، وهي تكاليف أصبحت تشكل عبئاً خانقاً على الأسرة بعد خسارتها لمعيلها ومصدر رزقها الوحيد.
تصعيد مستمر ومعاناة تتفاقم
تأتي قصة هذه العائلة في خضم تصعيد عسكري جديد تشهده جبهات محافظة تعز بين القوات الحكومية ومسلحي جماعة الحوثي، تخللته اشتباكات متجددة وقصف مدفعي استهدف عدة محاور ومناطق محيطة بالمدينة.
وقد أجبرت هذه المواجهات المتواصلة في غرب تعز العديد من العائلات المدنية على مغادرة منازلها وقراها بحثاً عن ملاذ آمن، ليجد النازحون أنفسهم في مواجهة معركة يومية أخرى لتأمين الحد الأدنى من المسكن، والغذاء، والرعاية الصحية.


