رووداو ديجيتال
في متابعة استقصائية لشبكة رووداو
الإعلامية حول ارتفاع معدلات الزواج بين من هم دون سن الـ 18 عاماً، كشف القاضي
سوران إبراهيم، رئيس محكمة الأحوال الشخصية في السليمانية، عن تسجيل 240 حالة زواج
لقاصرين دون سن الـ 18 هذا العام، فيما رُفض نحو 40 طلباً لزواج قاصرين، إلا أن
هؤلاء لجؤوا إلى إبرام عقود زواجهم خارج أسوار المحكمة.
يوم اللخميس (22 تشرين الأول 2026)
نُشر تقرير استقصائي لشبكة رووداو الإعلامية قدّمه "آريز خالد" حول زواج
الأطفال والمراهقين؛ وأوضح فيه القاضي سوران إبراهيم قائلاً: "تلك الحالات
الأربعون التي رُفضت ونُفِّذت لاحقاً خارج المحكمة، أُبرمت لها عقود تصديق زواج
خارجي في المحكمة لاحقاً. إحدى هؤلاء الفتيات كانت تبلغ من العمر 13 عاماً فقط،
حيث تم عقد قرانها خارج المحكمة على يد رجل دين، ثم أُجري لها عقد التصديق في
المحكمة لاحقاً".
تُجرى عقود تصديق الزواج الخارجي
لأولئك الذين يعقدون قرانهم قبل مراجعة المحاكم، حيث يتم تثبيتها لاحقاً بقرار من
القاضي وبحضور شاهدين.
ويشير القاضي سوران إبراهيم إلى
أن "غالبية عقود الزواج الخارجي تُجرى لأشخاص تقل أعمارهم عن 18 عاماً، لكن
المشكلة الكبرى تكمن في أن نسبة الطلاق في هذا النوع من الزواج تصل إلى 23% من
مجمل قضايا الطلاق في المحاكم".
"فتيات يتزوجن هرباً من مقاعد الدراسة"
يُحيل القضاة من يتزوجون قبل بلوغ
الـ 18 عاماً أو يواجهون مشاكل في ذلك إلى الباحثين الاجتماعيين في المحكمة
لمتابعة ملفاتهم وإيجاد حلول لمشاكلهم.
في هذا السياق، يقول جهاد عمر،
الباحث الاجتماعي في محكمة السليمانية: "تأتي إلينا بعض الفتيات ويقلن إنهن
وافقن على الزواج تحت ضغط الوالدين، بينما ترغب أخريات في الزواج للهروب من
الدراسة. ومنذ عام 2000 فصاعداً، ساهمت الرغبة الفردية للشخص في خوض تجربة الزواج
في زيادة معدلات الزواج المبكر".
ويروي جهاد عمر إحدى الحالات
قائلاً: "وردتنا قضية رفضنا فيها منح الإذن لفتاة بالزواج نظراً لصغر سنها،
لكن والد الفتاة قال لنا: هل تريدون أن تُقدم هذه الفتاة على حرق نفسها كما فعلت
ابنتي الأخرى قبل ثلاث سنوات عندما منعناها من الزواج؟ لقد خسرت ابنتي حينها،
أرجوكم لا تجعلوا هذه الفتاة تمر بالمصير ذاته".
تزوجت لترتدي فستان الزفاف
يقول المحامي بوار كوسار، وهو أحد
المتابعين لقضايا الزواج والطلاق في محكمة السليمانية: "في أحد الأيام اتصلت
بي فتاة مطلقة كانت تواجه مشكلة في رؤية طفلها. فسألتها: كم كان عمركِ عندما
تزوجتِ؟ فأجابت: كنت في السابعة عشرة عندما عُقد قراني، وكان كل همي ورغبتي أن
أرتدي فستان الزفاف، ولهذا السبب تزوجت. وعندما روت لي قصتها كانت قد بلغت
الثلاثين من عمرها؛ ظننت في البداية أنها تمزح، لكنها أكدت لي أنها كانت صادقة
تماماً".
ومن الأمثلة الأخرى التي يرويها
بوار كوسار، حالة زواج بين فتى في الـ 17 من عمره وفتاة في الـ 16: "تعرف
الشاب والفتاة على بعضهما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتزوجا وعاشا معاً لمدة
خمسة أشهر، وحملت الفتاة خلال تلك الفترة. وبعد مرور عام استخرجا عقد الزواج، وكنت
حينها أعمل على استخراج البطاقة الوطنية لطفلهما. لو كان هذا الشاب يدرك حجم
المسؤولية الأبوية، لما أوقع نفسه في كل هذه المشاكل".
الزواج في سن الـ 16 بسبب الضائقة
المالية
تروي فتاة اختارت لنفسها اسم
"سارة" عبر رووداو قصة زواجها في سن الـ 16، وبما أن زوجها لم يسمح لها
بالظهور العلني للحديث، فقد عُرضت قصتها عبر تجسيد درامي؛ تقول سارة: "طلب
مني والدي الزواج وأنا في سن الـ 16. وبسبب ظروفنا المادية الصعبة، أراد والدي أن
أتزوج لعدم قدرته على تحمل نفقاتي ونفقات شقيقاتي، وكان يسعى عبر هذا الطريق إلى
تخفيف الأعباء الاقتصادية عنه".
وتواجه الفتيات اللاتي يتزوجن قبل
سن الـ 18 مشاكل صحية معقدة؛ حيث توضح الطبيبة سعدية رضا، اختصاصية أمراض النساء
والتوليد: "الزواج قبل سن الـ 18 غير صحي؛ فالجهاز التناسلي للمرأة قبل هذا
السن لا يكون مهيأً بشكل كافٍ للزواج والإنجاب. وتتمثل أبرز المخاطر الكبرى أثناء
الحمل في ارتفاع ضغط الدم وتأثيراته الخطيرة على الكلى والدماغ والكبد، وهذه الحالات
تتضاعف لدى القاصرات تحت 18 عاماً بنحو خمسة أضعاف مقارنة بالبالغات، مما يضطرنا
في مثل هذه الحالات إلى اللجوء للإجهاض لإنقاذ حياة الأم".
وتضيف: "قديماً كان نمط حياة
الناس أكثر صحة، أما الآن فالناس يسهرون ليلاً وينامون نهاراً. في السابق كان الإنسان
أكثر نشاطاً وحركة مما ساعد على نضوج العقل والجسد بصورة أفضل؛ لذا كانت الفتيات
قديماً يتزوجن وينجبن في أعمار مبكرة، لكن نمط الحياة اليوم اختلف جذرياً عما مضى".
طلب فحوصات طبية قبل عقد القران
يطالب رئيس لجنة الفتوى في
السليمانية، رجال الدين بضرورة طلب فحوصات طبية للفتيات قبل إبرام عقود القران،
حيث يقول محمد بنجويني: "إذا امتنع رجل الدين عن عقد قران فتاة دون سن الـ
18، فإنه لا يأثم، بل إنه يقوم بعمل حسن ما لم تكن هناك ضرورة اجتماعية قصوى".
ويضيف: "أنا شخصياً أطلب
إجراء الفحوصات الطبية قبل عقد القران، وفي بعض الأحيان أقول لهم اذهبوا وأبرموا
العقد في المحكمة أولاً ثم عودوا إلينا لنعقد قرانكم، ولكن يجب رفع مستوى الوعي
المجتمعي لمنع زواج الفتيات قبل سن الثامنة عشرة".
ويوضح محمد بنجويني أنه "لا
توجد أي محاسبة قانونية لرجال الدين الذين يعقدون قران فتيات قاصرات، رغم تعميم
الفتوى عليهم بعدم جواز عقد قران من هن دون سن الـ 18، إلا أن البعض لا يلتزم
بذلك؛ فعلى سبيل المثال، قال لي والد إحدى الفتيات وهو من أقاربي: يا شيخ، دعك من
موضوع الفحص الطبي واتركه لي! وحتى الآن لم أرَ سوى حالة واحدة وافق فيها ذوو العريس
على إلغاء مراسم الزواج بسبب عدم ملاءمة سن الفتاة".
حول حماية حقوق الفتيات واليافعات
أثناء مسار الزواج، يقول نيشان جميل، وهو محامٍ في منظمة حماية أطفال كوردستان:
"نحن نتابع قضايا زواج اليافعين، وإذا كان هناك زواج بالإكراه نترافع في
المحاكم للدفاع عن حقوقهم. لكن بعض الحالات تنشأ عن علاقات بين الفتيان والفتيات
عبر الهاتف وشبكات التواصل الاجتماعي".
ويبين: "في إحدى القضايا
التي تابعناها كان هناك قاصران دون سن الـ 18 نشأت بينهما علاقة غير شرعية، كما
مرّت علينا حالة لفتاة حملت في سن الـ 15 واضطرت مع الشاب إلى إبرام عقد زواج خارج
المحكمة".
يُذكر أنه في عام 2025، سُجلت في
السليمانية 286 حالة زواج لمن هم دون سن الـ 18، وكان 90 منهم في سن الـ 16 عاماً.
ويشير الباحث الاجتماعي جهاد عمر إلى أن "مخاوف العنوسة تدفع العائلات لتزويج
بناتها في وقت مبكر، وتنتشر هذه الظاهرة بشكل أوسع خارج المدن ومراكزها".
وحول شروط وآليات إبرام عقود
الزواج، يؤكد القاضي سوران إبراهيم، رئيس محكمة الأحوال الشخصية في السليمانية:
"نحن لا نبرم إطلاقاً عقود زواج لمن هم دون سن الـ 15 عاماً، وعلى رجال الدين
أيضاً الامتناع التام عن عقد قران الفتيات دون الـ 15، إذ ترتفع نسبة الطلاق بين
هذه الفئة بشكل كبير، لاسيما في الفترة ما بين شهري أيلول وتشرين الثاني حيث تسجل
دعاوى الطلاق ارتفاعاً ملحوظاً سنوياً".



