رووداو ديجيتال
أكد الرئيس المشترك لحزب المساواة
وديمقراطية الشعوب (دام بارتي)، تونجر باکرهان، أن نجاح مسار السلام وحل القضية
الكوردية سيجعل من تركيا دولة فاعلة وذات ثقل استراتيجي في الشرق الأوسط، عاداً الاقتصاد
التركي "سيئاً لأن القضية الكوردية لم تُحل".
جاء ذلك خلال مشاركته في أعمال
اليوم الثاني لملتقى ميري 2026 المنعقد في أربيل، برعاية إعلامية من رووداو، حيث استعرض
رؤية حزبه للتطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، ومستقبل القضية الكوردية في تركيا
وسوريا وعموم المنطقة.
أزمة الشرق الأوسط
في مستهل حديثه، أشار باکرهان إلى
أن معضلة الشرق الأوسط لا تقتصر على التدخلات الدولية وصراع القوى الكبرى فحسب، بل
تنبع أساساً من غياب الديمقراطية والاستبداد وإنكار التعددية القومية والدينية.
وقال إن "القوى الكبرى تتحرك
وفق مصالحها؛ فأميركا تنظر للمنطقة من منظور تجاري، وروسيا تركز على الحضور
العسكري، والصين تسعى لتحويل قوتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي، بينما ينشغل
الاتحاد الأوروبي بأزماته الداخلية. المشكلة الحقيقية تكمن في عقلية الإقصاء
والنزعات المذهبية والاستبداد التي تحكم المنطقة".
وضرب باکرهان مثلاً بالعراق
وإيران، لافتاً إلى أنهما يمتلكان أضخم احتياطيات النفط والغاز، لكن شعوبهما تعاني
من تراجع العملة والفقر وعدم الاستقرار، عازياً ذلك إلى "غياب البيئة
الديمقراطية التشاركية التي تتسع لكافة المكونات والأطياف".
3 تريليونات دولار وأزمة اقتصادية
خانقة
وتطرق باکرهان إلى الواقع في
تركيا، مبيناً أنها رغم موقعها الجغرافي والاستراتيجي تعاني اليوم من أزمة
اقتصادية حادة وانهيار في قيمة الليرة، والسبب المباشر هو الإصرار طوال قرن كامل
على إنكار الوجود الكوردي ومحاولات الصهر القومي بدلاً من الحل الديمقراطي.
وكشف باکرهان أن تركيا أنفقت نحو
3 تريليونات دولار على العمليات العسكرية والحروب طوال العقود الماضية، وهو ما
يعادل ثلاثة أضعاف ميزانيتها التنموية الحالية، مؤكداً أن "هذه الأموال
الطائلة استُنزفت لإسكات اللغة الكوردية بدلاً من توجيهها للبناء والإعمار ورفاهية
العمال والمتقاعدين".
تطورات مسار السلام
حول المساعي الراهنة لإنعاش عملية
السلام في تركيا، أوضح أن حزبه لن يغادر طاولة المفاوضات تحت أي ظرف، قائلاً:
"مستقبل الكورد يكمن في الحوار والتفاوض والمسار الديمقراطي. ونحن نلمس لأول
مرة منذ تأسيس الجمهورية قبل 100 عام خطوة تاريخية بإصدار البرلمان التركي قانوناً
إطارياً لمناقشة القضية الكوردية على أرضية قانونية وسياسية، إلى جانب إرسال وفد
برلماني إلى سجن إمرالي للقاء عبد الله أوجلان".
وشدد على أن تحويل هذا القانون
إلى ممارسة عملية هو التحدي الحقيقي، داعياً السلطات التركية (أردوغان، وباخجلي،
وأوزغور أوزيل) إلى المضي قدماً بعقلية ديمقراطية تنهي سياسات الصهر، مؤكداً أن
"سجن عشرات الآلاف من الكورد لم يلغِ القضية ولم ينهِ مطالب الشعب".
كما أوضح أن حزبه، الذي يعد القوة
الثالثة في البرلمان التركي ويدير ما بين 70% إلى 80% من بلديات المنطقة الكوردية،
قدم تضحيات جسيمة، حيث "أُغلق له 11 حزباً سابقاً وهو الحزب الثاني عشر، لكنه
لم يتراجع يوماً عن النضال الديمقراطي".
رفض الدولة القومية الأحادية
ورداً على سؤال بشأن مفهوم الدولة
القومية في تركيا، شدد باکرهان على أن "الدولة القومية الأحادية ليست حلاً"،
مذكّراً بنموذجي صدام حسين والقذافي.
وأضاف: "في تركيا يعيش 25
مليون كوردي؛ وفي إسطنبول وحدها يقطن 5.5 مليون كوردي، بالإضافة إلى مئات الآلاف
في إزمير وأضنة ومرسين. لذا فنحن لا نطالب بالديمقراطية للكورد فقط، بل لعموم
تركيا ولكافة مكوناتها من علويين وعرب وشركس".
وتابع: "إذا كُرّست الدولة
كملكية حصرية للقومية التركية وتم فرض التتريك، فسنبقى ضحايا. أما إذا ضمن الدستور
حقوق كافة الهويات والشعوب، فستتحول الدولة إلى وطن تشاركي حقيقي لجميع مواطنيها
الـ 86 مليوناً".
إشادة بدور قادة إقليم كوردستان
وأكد باکرهان أن تحقيق السلام في
تركيا سينعكس مباشرة على استقرار العراق وإقليم كوردستان، وسيعطي زخماً
استراتيجياً حقيقياً لمشروع "طريق التنمية"، محولاً الشريط الحدودي من
ساحة عسكرة وعمليات حربية مستمرة منذ 40 عاماً إلى جسر للتبادل التجاري والثقافي.
وفي هذا السياق، أعرب باکرهان عن
بالغ شكره وتقديره للقيادات الكوردستانية لدورها المحوري في دعم مسار التهدئة،
قائلاً:
-أوجه تحية وامتناناً خاصين
للرئيس مسعود بارزاني الذي كان له دور كبير جداً في هذه العملية
-أثمن عالياً جهود رئيس إقليم
كردستان نيجيرفان بارزاني الذي تحمّل كل المسؤوليات اللازمة وزارنا والتقى بنا
مراراً لدفع المسار قدماً
-أشكر رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني
بافل طالباني الذي واصل الليل بالنهار وعمل بلا كلل لإنجاح هذه الجهود
ودعا باکرهان إلى تحقيق
"وحدة وطنية ديمقراطية كوردية"، مؤكداً أنها لا تستهدف معاداة دول
المنطقة (تركيا، العراق، إيران، سوريا)، بل تهدف إلى بلورة خطاب عقلاني مشترك يبني
علاقات متوازنة ومواطنة متساوية.
رسالة إلى دمشق
وفي ختام حديثه، تطرق باکرهان إلى
الملف السوري ومستقبل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا (روجآفا) في ظل انهيار
النظام السابق، معلناً وقوفه التام إلى جانب قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)
مظلوم عبدي، قائلاً: "أينما كان مظلوم عبدي وإلهام أحمد والشعب الذي ناضل
هناك، فنحن نقف معهم وإلى جانبهم".
ووجه باکرهان انتقاداً صريحاً إلى
التوجهات الرامية لتحجيم حقوق الكورد الثقافية في دمشق: "كما أن اللغات
العربية والتركية والفارسية مقدسة وحقوق طبيعية لأصحابها، فإن اللغة الكوردية حق
مقدس للكورد. إننا ننتقد بشدة تقليص تعليم اللغة الكوردية في سوريا إلى مجرد 3
ساعات اختيارية؛ فالتعليم باللغة الأم حق أصيل وضرورة لا غنى عنها لبقاء أي أمة".
وأكد أنه "لا يجوز فرض
القيود عليها، ونطالب بضمانات دستورية حقيقية لكافة حقوق الكورد والعلويين والدروز
والتركمان في الدستور السوري الجديد".


