رووداو ديجيتال
شهدت أعمال ملتقى
"ميري" (MERI Forum) الذي تستضيفه مدينة أربيل على مدار يومي 12
و13 تشرين الأول، بالتعاون مع شبكة رووداو الإعلامية، نقاشات مستفيضة ومكثفة حول
ملامح المرحلة الانتقالية في سوريا ومستقبلها السياسي. وافتتحت أعمال المؤتمر
بجلسة رئيسية حملت عنوان: "سوريا الجديدة: من الانقسام إلى دولة مشتركة"،
شارك فيها السياسية الكوردية إلهام أحمد، وكبير مستشاري وزير الخارجية السوري نجيب
الغضبان، والباحثة والأكاديمية الأميركية إيمي أوستن هولمز؛ حيث تركز الحوار على
استحقاقات الاندماج العسكري والإداري، الهوية الدستورية، قضية اللامركزية، حقوق
المكونات، والدور الإقليمي والدولي لسوريا ما بعد الصراع.
إنجازات وتحديات مرحلة الاختبار
افتتحت إلهام أحمد مداخلتها
بتقييم واقعي لمسار دمج مؤسسات الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن
بنية الدولة السورية، مؤكدة أن هذه الخطوة "ساهمت بشكل كبير في انفتاح المدن
السورية على بعضها البعض، وإعادة فتح المعابر الحدودية، وتسهيل عودة السوريين".
وأشارت إلى أن "عملية دمج
قسد بالجيش السوري تحققت بنسبة جيدة حتى الآن، وأسهمت في ترسيخ نوع من الاستقرار"،
مستدركة في الوقت ذاته بأن العملية برمتها "لاتزال في مرحلة الاختبار".
من جهته، ثمّن نجيب الغضبان هذه
الخطوة، واصفاً دمج قوات سوريا الديمقراطية في وزارتي الدفاع والداخلية بأنه "إنجاز
كبير لا شك فيه"، مع إقراره بوجود تحديات معقدة مرتبطة بهذا المسار، لاسيما
فيما يتعلق باستكمال دمج باقي المؤسسات المدنية والإدارية، والحاجة إلى مأسسة
الشراكة بشكل أعمق.
سجال الهوية وشكل الحكم
شكّل مفهوم "اللامركزية"
محوراً ساخناً في الجلسة؛ حيث انتقدت إلهام أحمد النظرة السائدة تجاه هذا المفهوم،
قائلة: "عندما يتم الحديث عن اللامركزية في
سوريا، يبدو الأمر وكأننا نتحدث عن الشيطان".
وبينت أن "خلق هذه الحالة من
الضبابية أدى إلى توليد وهمٍ مفاده أن تطبيق اللامركزية سيؤدي حتماً إلى تفتيت
سوريا وفرط عقدها، في حين أن اللامركزية تعني التشاركية التي تساهم في توطيد وترسيخ
أواصر الأخوة والعلاقات المجتمعية والسياسية".
وشددت إلهام أحمد على ضرورة
الانتقال إلى خطوات عملية لتنفيذ استحقاقات الشراكة، مشيرة إلى اتفاقَي "10
آذار" و"29 تشرين" اللذين نصا على تمثيل المكون الكوردي بهويته في
كافة مؤسسات الدولة، بما فيها الوزارات والسفارات والبرلمان والأمن والجيش، منوهة
إلى أن الحضور الحالي مايزال "ضئيلاً ومقتصراً على مناطق معينة كالحسكة
وكوباني دون أن يمتد إلى العاصمة دمشق والوزارات السيادية".
كما دعت إلى تطوير "القانون
رقم 107" الخاص بالإدارة المحلية، ليتحول إلى نموذج حقيقي للحوكمة وتوزيع الصلاحيات
بين المركز والمحافظات.
في المقابل، طرح نجيب الغضبان
الرؤية الدستورية البديلة لبناء الدولة، مؤكداً أن الأساس يجب أن يقوم على "المواطنة
المتساوية، وسيادة القانون الذي ينطبق على الجميع، ودولة ذات سيادة كاملة".
وأوضح الغضبان أن "المسألة
ليست مقايضة بين دولة مركزية قوية أو التجزئة والتفتيت؛ نحن بحاجةٍ إلى مركزيةٍ
تصون السيادة، ولا مركزيةٍ تضمن الشراكة؛ كي تجد كل محافظةٍ وكل مكوّنٍ نفسه جزءاً
لا يتجزأ من هذه الدولة".
كما قال الغضبان أن استنساخ
التجارب الإقليمية القائمة على المحاصصة لا تناسب المجتمع السوري، وأن الضامن
الحقيقي هو "دولة مواطنة تكفل التشاركية عبر انتخابات حرة ونزيهة، تتيح لجميع
المكونات تشكيل كيانات سياسية تعبّر عنها بحرية".
في هذا السياق، أكدت الباحثة الأميركية
إيمي أوستن هولمز أن سوريا تمر حالياً بـ"منعطف تاريخي"، منوهة إلى أن "المشاكل
في سوريا لم تُحل من جذورها بعد"، ومشددة على أن النظام السابق برئاسة بشار
الأسد كان "نظاماً فائق المركزية"، ما يفرض على سوريا الجديدة تبني
سياسات شمولية في مختلف المجالات الإدارية والسياسية لتجنب أخطاء الماضي.
ملف اللغة وحقوق الكورد
اعتبرت إلهام أحمد أن صدور مرسوم
رئاسي يعترف بوجود الشعب الكوردي ولغته وثقافته كجزء أصيل من المجتمع السوري يعد "إنجازاً
تاريخياً يتحقق لأول مرة"، إلا أنها وصفت آليات تنفيذه العملية بأنها "منقوصة".
وكشفت عن التوصل إلى تفاهم مع
الحكومة يقضي بـ"إدخال اللغة الكوردية إلى المنهاج الدراسي بواقع 3 ساعات
أسبوعياً، بالإضافة إلى تدريس أربع مواد باللغة الكوردية"، لكنها جددت
التأكيد على أن المطلب الأساسي هو "الاعتراف بالحق في التعليم باللغة الكوردية
دستورياً كلغة رسمية للمكون الكوردي".
وأوضحت أن "الطلاب في شمال
وشرق سوريا درسوا طوال 14 عاماً باللغة الكوردية والغالبية لا تتقن العربية، مما
يخلق إشكالية عملية تتطلب مرحلة انتقالية ومعالجة دستورية واضحة".
وعلّق نجيب الغضبان على هذا
الجانب مؤكداً أنه لا يرى "أي خطر في موضوع التعدد اللغوي"، مشيراً إلى
أن الإقرار بحقوق المكونات ضرورة وطنية بعد عقود من الإقصاء الذي مارسه النظام
السابق، فيما أيّدت إيمي أوستن هولمز هذا الطرح بضرورة "الاهتمام باللغات
الأخرى في سوريا إلى جانب اللغة العربية كركيزة للتنوع والاستقرار".
تراجع دور المرأة
أثارت إلهام أحمد قضية مشاركة
المرأة في مراكز صنع القرار؛ حيث عبرت عن قلقها من "تراجع حضور المرأة في
المشهد العام بعد عملية الدمج نتيجة غياب مبدأ (الرئاسة المشتركة) وغلبة التمثيل
الذكوري".
وكشفت أحمد جانباً من مفاوضات
الملف العسكري، موضحة: "فيما يخص وحدات حماية المرأة (YPJ)، لم يتم قبول ضمّها إلى ملاك الجيش السوري، وتم التوافق في
النهاية على إلحاق هذه الوحدات بوزارة الداخلية ضمن كتائب خاصة".
من جانبه، أعلن الغضبان دعمه
الصريح لتمكين المرأة السورية، مؤكداً أنها "عانت طويلاً خلال سنوات النزاع،
ومن حقها المشروع أن تمثل بعدالة في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية ومؤسسات
الدولة"، وهو ما اتفقت معه هولمز التي دعت إلى "تكثيف مشاركة المرأة
لتكون جنباً إلى جنب مع الرجل في المؤسسات السورية لبناء مجتمع متوازن".
المشهد الأمني وملف
السويداء
تناولت المداولات الهشاشة الأمنية
التي رافقت المرحلة الانتقالية؛ حيث حذّرت إلهام أحمد من ظهور "فراغ أمني عقب
تطبيق إجراءات الدمج، ما أدى إلى ارتفاع وتيرة عمليات الخطف والقتل والنهب"،
محذرة من "أيدٍ وتدخلات خارجية تسعى لتوتير الوضع وتأجيجه بين الكورد والعرب
لإشعال نزاع داخلي، وهو ما ظهر في الاحتجاجات والاستفزازات الأخيرة".
بدوره، لفت الغضبان إلى أن عملية
الاستقرار الوطني تتطلب معالجة شاملة لكافة الملفات العالقة، وفي مقدمتها "ملف
محافظة السويداء، التي تمثل جزءاً غالياً وأساسياً من سوريا وتتطلب حلاً عاجلاً
تبذل الدولة جهوداً حثيثة للوصول إليه". كما أدان غضبان "الانتهاكات
الإسرائيلية المتواصلة وتدخلاتها الصارخة في الجنوب السوري".
الاقتصاد وإعادة الإعمار
استعرض المشاركون الواقع
الاقتصادي؛ إذ أشار الغضبان إلى أن 14 عاماً من الحرب دمرت ما يزيد عن 70% من
البنية التحتية، وشرّدت نصف الشعب السوري، محملاً "النظام البائد المسؤولية
الكبرى عن هذا الدمار". وشدد على أن محاربة الفقر وإطلاق عجلة إعادة الإعمار
هما الأساس لإنعاش البلاد.
من جهتها، نوهت هولمز إلى واقع
الموارد السورية، قائلة: "من المؤسف أن سوريا لا تملك احتياطات نفطية كافية
تمكّنها من تحقيق انتعاش اقتصادي سريع وسهل"، مؤكدة أن المعيار الحقيقي لنجاح
"سوريا الجديدة" سيبقى مرتبطاً بقدرتها على تأمين عودة كريمة وآمنة
للنازحين واللاجئين.
وحول السياسة الخارجية وعودة دمشق
إلى محيطها، بيّن الغضبان أن سوريا تحولت من "دولة مصدّرة للإرهاب واللاجئين
ومخدر الكبتاغون في سنواتها الأخيرة، إلى شريك فاعل في استقرار المنطقة ومشاريع
التعاون الاقتصادي"، مستشهداً بطوابير الشاحنات التي تنقل النفط العراقي إلى
السواحل السورية عبر ممرات العبور الدولية، وبتوقيع 13 اتفاقية تعاون مع الأردن،
وبناء علاقة ندية مع لبنان.
كما أشاد الغضبان بزيارة رئيس
إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق، واصفاً إياها بـ"الإيجابية جداً
والتي فتحت آفاقاً واعدة للتعاون الثنائي"، مشيراً إلى أن موقع سوريا يؤهلها
لتكون حلقة وصل استراتيجية بين العراق والخليج وتركيا وأوروبا.
دستور دائم وانتخابات دولية
اختتمت الجلسة بتأكيد إلهام أحمد
على المحددات الأساسية للمرحلة المقبلة، والتي لخصتها في ضرورة "إطلاق عملية
سياسية شاملة تُفضي إلى صياغة دستور دائم للبلاد، والتحضير لانتخابات نزيهة تحت
إشراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بما يضمن بناء سوريا مستقلة وذات سيادة،
تعترف بجميع مكوّناتها وتحافظ على وحدتها شعباً وجغرافياً".


