رووداو ديجيتال
ربما لا يكون الثلاثون من أيلول
مجرد يومٍ تخرج فيه القوات الأميركية من العراق. ربما يكون اليوم الذي يبدأ فيه خروج العراق نفسه من المرحلة التي وُلدت
عام 2003. فالعراق الذي أُسِّس بعد سقوط صدام، قام على
توازن دقيق: دولةٌ اتحادية، شراكة بين المكونات، وجودٌ أميركي،
نفوذٌ إيراني، وكورد كانوا جزءاً أساسياً من صناعة بغداد الجديدة.
لكن بعد أكثر من عشرين عاماً، لم
تعد موازين القوة كما كانت. بغداد أقوى، والفصائل أصبحت جزءاً من معادلة
الدولة، وإيران باتت أكثر حضوراً، والكورد الذين شاركوا في كتابة قواعد اللعبة،
يقفون اليوم أمام سؤال: هل ما زالوا قادرين على التأثير فيها؟.
لهذا، السؤال بعد 30 أيلول ليس: من سيملأ الفراغ الذي تتركه أميركا؟ السؤال الأخطر هو: حين تختلف إرادة الحكومة، والفصائل، وطهران، وواشنطن، من ستكون له
الكلمة الأخيرة باسم العراق؟ لأن ما يبدأ بعد 30 أيلول قد لا يكون مجرد مرحلة
جديدة، بل ربما يكون نهاية عراق 2003.
هيفيدار أحمد وكادر برنامج "مازال
للقصة بقية - هێشتا ماویەتی" في بغداد، للإجابة عن سؤال: بعد 30 من هذا
الشهر، عندما تخرج القوات العسكرية من العراق، من سيتحدث باسم العراق؟ كلا، بل
سؤال أعمق: إذا اتخذت الحكومة قراراً، واتخذت فصائل
المقاومة قراراً، وقررت كل من أميركا وإيران قرارات تخص العراق، فأي هذه القرارات
سيكون قرار العراق؟
السياسي العراقي عزت الشابندر يدافع
عن الدولة الشيعية العميقة في العراق، وهو لا يخفي أنه لم يتم تحديد أي توقيت
لإغلاق ملف سلاح الفصائل في العراق.
يقول إن "الفصائل مستعدة
للحوار مع الحكومة، إذا استطاعت الحكومة إقناع الفصائل بأن استمرار المقاومة يضر
بمصلحة الدولة. يوم 30-9 ليس يوماً مقدساً لتسليم السلاح فيه للدولة، بل هو بداية
انطلاق الحوار بين الحكومة والفصائل، ولا يوجد أي وقت محدد يجب فيه تسليم كامل
السلاح للدولة؛ المسألة مفتوحة".
أما السياسي والدبلوماسي الكوردي،
هوشيار زيباري، فيقول: "بتصوري، هي مرحلة مهمة جداً؛ ما بعد 30-9 لن يكون
سهلاً، بل سيكون صعباً. بالتأكيد هناك مخاطر، لكن هناك مساعٍ أيضاً لتهدئة الأوضاع".
ويضيف: "لا أحد يفرح باندلاع
حرب بين الفصائل والحكومة، أو بين شيعة وشيعة، ونحن لسنا مع ذلك. لا أحد يدعم خيار
الحرب، لأنه إذا تدهورت الأمور فستسوء على الجميع. وإذا استطاعت هذه الدولة وهذه
الحكومة الحفاظ على هيبتها، فيجب أن يكون القرار والسلطة والسلاح وقرار الحرب
والسلم بيد الدولة، وألا تكون هناك أي قوة موازية".
أميركا أبلغت أربيل وبغداد: لقد
قدمنا وعداً لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بانسحاب قواتنا في 30-9، لكي يمتلك
ورقة قوة في مواجهة فصائل المقاومة.
وفي شوارع بغداد، يظهر الصراع بين
الحكومة والفصائل بوضوح.
الحكومة العراقية، من خلال رفع
الملصقات والصور، توجه رسائل مباشرة للفصائل ليعلم الناس أيضاً أن (القرار يعود
للدولة)، فيما ردت الفصائل على رسائل الحكومة بتعليق ونشر ملصقات جديدة في شوارع
بغداد ذاتها، تقول فيها إن قرار الحرب في المنطقة وداخل العراق هو بأيدينا.
في منطقة الكرادة ببغداد، يفرض
حزب الله العراقي نفوذه؛ في الزيارات السابقة لكادر البرنامج كانت أعمدة شوارع
الكرادة مغطاة بالكامل برايات حزب الله، لكن هذه المرة لم تعد هناك أي رايات أو
شعارات أو صور لحزب الله.
منذ 2003، مر العراق ويمر بثلاث
مراحل. المرحلة الأولى: أسقطت أميركا صدام وجعلت الشيعة حكاماً. المرحلة الثانية: كانت بعد 2014، حيث لم يعد الشيعة مجرد قوى سياسية،
بل أسسوا الحشد الشعبي وأصبحت الفصائل أقوى، ودخلت في أحشاء الدولة وباتت تصنع
القرارات باسمها. والمرحلة الثالثة: أميركا تخرج وتُسلّم العراق للشيعة.
ويبين عزت الشابندر أن "الشرط
الأميركي على علي الزيدي هو قطع يد إيران في العراق. وإيران ذكية جداً، وهذا هو
الدهاء الفارسي؛ تقول ليس لدي مشكلة في أن تتعاملوا مع أميركا، لكن أميركا الحالية
لا تقبل بالتعامل مع إيران. إذا أرادت أميركا إخراج إيران من العراق والإتيان بدول
عربية لملء الفراغ الإيراني، فإن ذلك يتطلب حرباً تمتد من 15 إلى 20 عاماً".
ويوضح: "تبدأ مرحلة جديدة
للعراق في 30-9، وبإيجاز أقول: إذا بقي النظام السياسي الحالي في العراق كما هو،
وهو نظام برلماني، فليس للعراق أي مستقبل، وسيكون عراقاً ممزقاً تتصارع فيه
الطوائف والمكونات فيما بينها. لذا يجب تغيير هذا الدستور، وتغيير هذا النظام
السياسي البرلماني الفاسد وتحويله إلى نظام رئاسي".
هذا التفكير لدى القوى الشيعية
بشأن تغيير نظام الحكم يتعارض مع عراق ما بعد 2003 الذي بُني على أساس الفيدرالية.
بينما يقول هوشيار زيباري إن
"الدستور العراقي وُضع على أساس أنه لا يمكن لطائفة واحدة ولا لحزب واحد ولا
لقومية واحدة أن تحكم العراق بمفردها. توجد مساعٍ لتغيير نظام الحكم، لكن هناك
مساعٍ أخرى تعارض هذه الخطوة".
ويلفت إلى أن "الأمر لا
يتعلق بطرف واحد، وهذا يعتمد على دورك في مقدار قدرتك على المطالبة بحقك والدفاع
عنه، وأن يكون لك دور في صياغة القرارات ويكون لك حضور وتتحقق العدالة، وهذا هو
الأساس الذي وُضع عليه الدستور وتلك القوانين".
بخصوص دور الكورد فيما يجري، يؤكد
هوشيار زيباري: "نحن حلفاء وأصدقاء لأميركا. وجود الكورد في بغداد ضرورة، وأميركا
ترى أنه كلما كان الكورد أقوياء وفاعلين ولهم صوت ورأي في بغداد، كان ذلك مصلحة
مشتركة مع أميركا ومع الحكومة العراقية أيضاً لأننا نعتبر أنفسنا جزءاً منها. لذا
سنكون حتماً أقوى في بغداد إذا كنا موحدين، أي القوى الكوردستانية. الديمقراطي
والاتحاد والقوى الأخرى".
ويضيف: "نحن لا نقلل من شأن
أي طرف؛ هذه حقيقة. مجيئنا ووجودنا في بغداد قرار ذاتي (داخلي)؛ صحيح أننا نستمع لأميركا
كصديقة، لكننا نرى مصلحتنا أيضاً. هنا تلتقي مصالحنا مع مصالحهم، لكن الأمر ليس أن
أميركا أصدرت لنا أوامر".
حول الدور الكوردي، يرى عزت
الشابندر أن "الكورد يعيشون ازدواجية في أدائهم! قدمٌ مع الدولة العراقية
وقدمٌ مع الدولة الكوردية ويتصرفون كجيران، وإذا استمروا على هذا النحو فلن
يتمكنوا من حماية أي مصلحة كوردية أو عراقية".
ويدعو عزت الشابندر "الكورد
وأنصحهم بأن يكونوا عراقيين بالدرجة الأولى، وأنهم كورد العراق؛ وإذا زالت هذه
الازدواجية وأصبحوا طرفاً واحداً، فحينها سيكونون مؤثرين بل وستكون لهم الأولوية.
ولا أخفي عليكم أن سوء تعامل المركز هو ما دفع الكورد ليقولوا نحن كورد أولاً وتكون
عراقيتهم في المرتبة العاشرة".


.webp&w=3840&q=75)