رووداو ديجيتال
منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، بدأ العراق يعمل على مشاريع صواريخ سلمية، كان أولها صاروخ (النسر) الذي تم إنجازه بين عامي 1979-1980، ومداه 8 كيلومترات لأغراض الأنواء الجوية، لكن الموضوع تطور بعد ذلك، حيث أنفقت الدولة العراقية مئات الملايين من الدولارات على مشاريع تطوير الصواريخ والصناعة الحربية وتصميم وإنتاج طائرة أواكس لأغراض التجسس (عدنان 1)، التي كانت خاضعة لهيئة التصنيع العسكري فيما بعد، بضمنها صاروخ "العابد" وصواريخ "أبابيل" التي كان يفتخر بها العراق إعلامياً، لكن المفاجأة أنه لم يستخدمها.
يوضح مهندس الصواريخ الأكاديمي معروف الجلبي لشبكة رووداو بأن: "مشروع صاروخ العابد سلمي تماماً، وتم تصميمه لأغراض سبر الفضاء الخارجي.. الفكرة الأساسية لصاروخ العابد هي تجربة إطلاق، وهي المرحلة الأولى لمشروع قد يكون في يوم ما فضائياً سلمياً تماماً، لا علاقة له بأية أهداف عسكرية، خاصة وأن الحرب العراقية الإيرانية كانت منتهية"، منبهاً إلى أن: "الهدف الأساسي للعابد هو الوصول للفضاء، ولكن أول مرحلة هي الإطلاق، وقد نجحنا في ذلك.. برنامج صاروخ العابد يتكون من ثلاث مراحل، هي: الإطلاق وليس الطيران، والثانية الوصول للفضاء الخارجي، والثالثة انفصال (الكبسولة)، ونحن نجحنا بالمرحلة الأولى كما ذكرت.. وكان مجرد طموح ليس إلا، والتخطيط لهذه المشاريع يجب تهيئة العقول والوسائل المناسبة له".
وكنا قد استضفنا المهندس الأكاديمي معروف الجلبي، المولود ببغداد عام 1945، في ثلاث حلقات بثت من منصة رووداو عربية، وهو حاصل على شهادة بكالوريوس هندسة من جامعة كولورادو بالولايات المتحدة الأميركية سنة 1969، كما حصل على شهادة قائد أبحاث من المعهد العسكري التقني في يوغوسلافيا سنة 1987، بتخصص (منظومات المحركات الدافعة العاملة بالوقود الصلب في مجال الهندسة الميكانيكية الفضائية)، وتخرج منه بشهادة قيادة أبحاث، وهي أعلى شهادة أبحاث موازية اختصاصياً لشهادة الدكتوراه.
الجلبي تحدث عن مشروع صواريخ (أبابيل) الذي أشرف عليه شخصياً، وما رافق هذا الموضوع من لبس، قائلاً: "هذا المشروع بالأساس هو عبارة عن بحوث عراقية يوغوسلافية لصاروخ (KOL-15)، وشاركنا فيه على مدى سبع سنوات ونصف السنة، بكلفة 56 مليون دولار من الطرف العراقي ومثلها من الطرف اليوغوسلافي، أي مجموع التكاليف بلغ 102 مليون دولار مناصفة بين البلدين، بضمنها مخصصات الأخصائيين العراقيين واليوغوسلاف".
مضيفاً: "قمنا في العراق بإجراء التجارب لغرض تصنيعه وتغيير اسمه من (KOL-15) إلى (أبابيل)، وانتهينا من المشروع بين عامي (1987-1988)". وعن سبب عدم استخدامها في الحرب العراقية الإيرانية، أوضح: "انتهينا من البحوث لمشروع (أبابيل) قبل وقف إطلاق النار بنحو ثمانية أشهر فقط. وحتى لو استمرت الحرب، فلم يكن في إمكاننا أن نصل إلى تصنيع المنظومة إنتاجياً.. وأيضاً بسبب عدم تراكم الوثائق التصميمية حتى نهاية عام 1988.. أي بعد وقف إطلاق النار.. وأن المنظومة باتت ضمن حقوق العراق العسكرية والتكنولوجية".
يتحدث مهندس الصواريخ معروف الجلبي عن مواصفات منظومة (أبابيل-50) التي تم تطوير بحوثها في العراق، قائلاً: "غيرنا الوقود الذي كان مستخدماً في صواريخ (KOL-15). وامتيازات منظومة (أبابيل-50)، وهي راجمة صاروخية أنبوبية (قاذفتها تتكون من 12 أسطوانة أنبوبية)، كل أنبوبة يتم تحميلها بصاروخ عنقودي (الرأس الواحد يحوي على نحو 300 قُنيبلة تقريباً)، والصاروخ من (عيار 262 ملم).. القُنيبلة هذه مصممة ضد الدروع والأفراد، إذ لها القدرة على خرق الدروع لسمك أكثر من (60 ملم) من فولاذ الدروع، فضلاً عن احتواء جسمها مئات (الصچمات) ضد الأفراد، مزودة بشريط لكل قُنيبلة يقوم مقام الباراشوت، وزن القنيبلة الواحدة يقارب الربع كيلوغرام، ووزن الرأس الحربي الكامل (نحو 100 كغم) تقريباً.. ومدى صاروخ (أبابيل-50) هو نحو 50 كم في كل الظروف الجوية".
ويبدي الجلبي استغرابه من الأنباء التي تقول إن العراق استخدم منظومة راجمات (أبابيل-50). يقول: "أتحدى أي شخص يبرهن لي أن العراق استخدم هذه المنظومة، لكنني سمعت عن أبابيل 100 وما شابه، ليست هناك غير (أبابيل-50) التي لم تستخدم، حيث لم يكن العراق، عندما أنجزنا المنظومة، في حرب مع أي دولة، ثم إن هدف العراق كان دفاعياً وليس هجومياً، إضافة إلى أن طموحنا كان سبر الفضاء الخارجي، لكن للأسف لم تسمح لنا الظروف بذلك".
يهدأ المهندس معروف الجلبي قليلاً وهو يتأمل تاريخاً من الإنجازات العلمية التي كان قد حققها علماء ومهندسو العراق، ثم تهدم كل شيء، يقول متذكراً: "لقد توصلنا خلال بحوثنا إلى نتائج مهمة ومشاريع إنسانية وسلمية نتيجة خبرات متراكمة، لكن هناك من لم يهتم بها، في قمة الهرم كنا، وكان العلم محل اهتمام واحترام، لكن دون ذلك كانت ترتكب في هيئة التصنيع العسكري أخطاء كثيرة للأسف".