رووداو ديجيتال
في الثالث من آب 2014، اجتاح تنظيم داعش قضاء سنجار والقرى المحيطة به، وارتكب واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العراق في تاريخه الحديث، تاركاً وراءه قتلى ومختطفين ومقابر جماعية وعائلات ما زالت، بعد 12 عاماً، تنتظر خبراً عن أبنائها.
وبينما تتجدد في كل عام مراسم إحياء الذكرى، لا يزال كثير من الإيزديين يرون أن الاعتراف بالإبادة، على أهميته، لم يتحول بعد إلى عدالة كاملة، وأن الملفات الأساسية، وفي مقدمتها المفقودون والمقابر الجماعية ومحاسبة الجناة وعودة النازحين وإعمار سنجار، ما زالت عالقة.
الهجرة نتيجة لفقدان الأمان
ترى الناشطة الإيزدية رفاه حسن أن تحقيق العدالة يتطلب عودة النازحين، وإغلاق جميع المخيمات، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وتطبيق القانون، وإنصاف الضحايا بالتعويضات، فضلاً عن اعتماد الثالث من آب عطلة رسمية في العراق.
وتقول حسن إن الإبادة دفعت أعداداً متزايدة من الإيزديين، ولا سيما الشباب، إلى التفكير في الهجرة متى ما أتيحت لهم الفرصة، بسبب فقدان الثقة بالمحيط والجيران، وتراجع الإحساس بالأمان في العراق.
وتضيف أن الآثار النفسية والخطابات التي يتعرض لها الإيزديون بعد كل ما حدث أسهمت في تعميق شعورهم بالغربة، وجعلت كثيرين منهم لا يرون مستقبلاً آمناً داخل البلاد.
الاعتراف لا يكفي
من جهتها ، تقول الناشطة الإيزدية في مجال حقوق الإنسان أريان خلات إن العدالة لا تتحقق بمجرد الاعتراف بالإبادة أو إصدار البيانات من الحكومات والمجتمعين الدولي والإقليمي.
وتضيف أن آلاف المختطفين والمختطفات ما زالوا في عداد المفقودين، فيما لم تتم محاسبة جميع المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، كما لا تزال سنجار تعاني غياب الاستقرار الأمني والسياسي ونقص الخدمات الأساسية، ما يمنع كثيراً من العائلات العودة إلى مناطقها الأصلية بكرامة.
وترى خلات أن العدالة الحقيقية تعني كشف مصير المفقودين، ومحاسبة الجناة، وتعويض الضحايا، وضمان عدم تكرار ما حدث، لكي يشعر الإيزديون بالأمان والكرامة في وطنهم.
وتشير إلى أن الإبادة غيّرت حياة كل إيزدي بصورة عميقة، موضحة أن آلاف الأمهات والأبناء لا يزالون ينتظرون معرفة مصير ذويهم، وأن شعوراً بعدم الأمان يلازم كثيراً من الإيزديين، حتى يومنا، ولا سيما الناجين والناجيات.

خلات دعت الحكومة العراقية والمجتمع الدولي إلى عدم حصر الدعم في إحياء الذكرى، بل تحويله إلى خطوات عملية تشمل إعادة إعمار سنجار، وضمان العودة الآمنة والكريمة، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الإيزديين وبقية مكونات سنجار، فضلاً عن دعم الناجين والناجيات.
وتؤكد أن "العدالة ليست ذكرى سنوية، بل التزام مستمر"، مشيرة إلى أن الملفات العالقة تشمل المفقودين والمخطوفين، والمقابر الجماعية، والتعويضات، والناجين والناجيات، ومحاسبة الجناة، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، وإدارة سنجار، والخدمات، والملف الأمني.
أرقام ثقيلة
بحسب بيانات مديرية شؤون الناجيات، قتل 1293 إيزدياً في الأيام الأولى من الإبادة، فيما اختطف تنظيم داعش 6417 من النساء والأطفال.
ولا يزال مصير 2560 مفقوداً ومختطفاً مجهولاً، بينهم 1225 أنثى و1335 ذكراً، في حين تشير البيانات إلى استشهاد 148 مختطفاً من كلا الجنسين خلال وجودهم في الأسر.
وكُشف حتى الآن عن 93 مقبرة جماعية في مناطق سنجار والقحطانية، فُتحت منها 68 مقبرة منذ 15 آذار 2019، بينما لا تزال 25 مقبرة تنتظر الفتح.
وتمكنت الجهات المختصة من التعرف إلى رفات 274 من الضحايا، في وقت لا تزال فيه أكثر من 500 رفات لدى دائرة الطب العدلي في بغداد بانتظار استكمال إجراءات المطابقة والتعرف.
وتفيد بيانات المديرية بأن 82% من الناجيات تعرضن للاغتصاب، فيما بلغ عدد الناجين والناجيات الإيزديين 3598 شخصاً، استفاد 2126 منهم من قانون الناجيات الإيزديات.
ذاكرة لا تغادر أصحابها
تقول ناجية إيزدية، رمزت إلى اسمها بالحرفين (ف. ن.) في شهادة مركبة تعكس تجارب شائعة بين الناجيات: "لا أنتظر حلول شهر آب كي أتذكر ما حدث، فالذكريات تعود من دون موعد. أحياناً يعيدني صوت سيارة مسرعة أو طرق مفاجئ على الباب إلى تلك الأيام. قد أبدو طبيعية أمام الآخرين، لكن نومي لم يعد كما كان، وما زلت أشعر بالخوف في الأماكن المزدحمة وأراقب الأبواب والوجوه من حولي".
وتضيف: "حاولت أن أبدأ حياة جديدة، لكن بعض المشاهد لا تغادرني. تأتيني كوابيس، وأستيقظ وأنا أشعر كأن ما حدث ما زال مستمراً. أصبحت الثقة بالآخرين صعبة، وأحتاج وقتاً طويلاً كي أشعر بالأمان حتى بين أشخاص أعرفهم".

وتنسجم هذه الأعراض مع ما يُعرف باضطراب ما بعد الصدمة، الذي قد يظهر لدى الناجين من الأسر والعنف والحروب على هيئة كوابيس واستعادة متكررة للذكريات، وفرط في الخوف واليقظة، وصعوبة في النوم والعزلة وفقدان الثقة بالمحيط.
وبالنسبة إلى بعض الناجيات، لم تنته المأساة عند التحرر من الأسر، إذ واجهن لاحقاً مصيراً قاسياً يتعلق بالأطفال الذين وُلدوا خلال فترة الاختطاف. وفي حالات محدودة، فُصل أطفال عن أمهاتهم، ليجد الطفل نفسه فاقداً للسند الأسري وغير مرحب به اجتماعياً، فيما تُترك الأم أمام جرح جديد لا ينفصل عن العنف والإكراه اللذين تعرضت لهما.
ماذا بعد 12 عاماً؟
لا تقاس المسافة بين الإبادة والعدالة بعدد السنوات، بل بعدد المفقودين الذين لم يعودوا، والمقابر التي لم تُفتح، والجناة الذين لم يُحاسبوا، والعائلات التي لم تتمكن من الرجوع إلى بيوتها.
ليست الإبادة التي تعرّض لها الإيزديون جرحاً يخص جماعة دينية وحدها، بل مأساة إنسانية تمس ضمير كل إنسان، لأن قتل الأبرياء وسبي النساء وخطف الأطفال جريمة لا يحدّها دين أو قومية أو حدود.


