رووداو ديجيتال
هنا وثيقة حية من شاهد عيان لغزو الكويت.. ليس هناك أي وصف آخر للعملية سوى الـ(غزو)، تلك العملية التي كلفت، وما زالت، العراق الكثير من الضحايا والخسائر المادية والانقسامات الاجتماعية، وصادرت سنوات طويلة من مستقبل العراقيين بكل قومياتهم وأديانهم وطوائفهم والعراق.
منذ مؤتمر قمة بغداد، الذي عُقد في قصر المؤتمرات من 28 إلى 30 أيار عام 1990، وما دار من نقاشات وأحاديث من قبل صدام حسين عن تجاوزات الكويت على حقول النفط القريبة من الحدود العراقية الكويتية، وما أعقبها من بيانات وتهديدات واجتماعات قادها، عن الجانب العراقي، عزة الدوري، وعن الجانب الكويتي، سعد الصباح، تنبئ بوضوح عن توتر في العلاقات بين البلدين، لكن لا أحد كان يتخيل أو يتصور أو يخمن بأن القوات العراقية ستحتل بلداً جاراً عضواً في الأمم المتحدة اسمه الكويت، ويتحول اسمه في ليلة وضحاها إلى (محافظة النداء)، باعتبار أن العراق لبّى نداء الشعب الكويتي لاحتلال بلده، وهذه أقرب إلى المزحة منها إلى الحقيقة، و(المحافظة الـ19). وخير سخرية مُرّة كان قد أطلقها الفنان الكوميدي الراحل عبد الحسين عبد الرضا، الذي قال وقتذاك: "نمنا كويتيين وصبحنا عراقيين".
كنا، كصحفيين وكتّاب، بل إن المجتمع العراقي كله، مشغولين ومنشغلين للإجابة عن سؤال واحد مفاده: ماذا سيحدث لاحقاً؟ ما الذي سيصير في اليوم التالي أو الذي بعده؟ أتذكر أننا كنا في سهرة اعتيادية بحديقة اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين في ساحة الأندلس وسط بغداد، ومعنا صديق أديب كويتي، لا أريد ذكر اسمه، عندما خرج علينا، ومن خلال شاشة تلفزيون بغداد الرسمي، المذيع مقداد مراد، الذي رحل في 23 كانون الأول 2022، والمشهور بقراءة بيانات مجلس قيادة الثورة وبقية البيانات الرسمية، وأهم بيانات القيادة العامة للقوات المسلحة، وأشهرها بيان البيانات، بيان "النصر العظيم"، نهاية الحرب العراقية الإيرانية في 8/8/1988، وهو يتلو بياناً عن الأوضاع بين العراق والكويت، ثم اختتم البيان الذي كان يلقيه بلهجة ثورية حماسية بعبارة "وليخسأ الخاسئون"، وسببت هذه العبارة اضطراباً لدى صديقنا الكويتي، فقام من مكانه وقرر مغادرة بغداد والعودة إلى الكويت، وعندما حاولنا تهدئته بأنه مجرد بيان اعتيادي، قال بلهجته الكويتية: "لا يا خوي، ما دام فيها فليخسأ الخاسئون، يعني راح تطكونا (تضربونا)"، وبالفعل رحل في تلك الليلة عائداً إلى بلده قبل 48 ساعة من دخول القوات العراقية إلى الكويت.
صباح يوم الثاني من شهر آب 1990، وهو تاريخ من الصعوبة على العراقيين، والكويتيين خاصة، نسيانه، كان ساخناً كالعادة، فهذا شهر "آب اللهاب الذي يخلع المسمار من الباب"، كما يصفه العراقيون. صحوت على صوت مقداد مراد، أيضاً، وهو يتلو بكل ما في صوته من طاقة بياناً ثورياً. هرعت إلى حيث التلفزيون وأنا أردد مع نفسي: "ما دام مقداد يقرأ البيان، فهذا يعني أن صدام سواها ودخل الكويت".
قرأ مقداد سورة من القرآن الكريم قبل أن يردد بصوت عالٍ: "الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر"، معلناً، بعد جمل وعبارات سمعناها في بيانات سابقة، احتلال الكويت من قبل القوات العراقية، منهياً البيان بعبارة: "الله أكبر وليخسأ الخاسئون"، وتوقيع مجلس قيادة الثورة على البيان.
حدث هذا قبل 36 عاماً بالكمال والتمام، وأتذكر الآن تفاصيل تلك اللحظات التي بقيت مسمّراً فيها أمام التلفزيون بلا حراك. الزمن تجمد حينها، وبدا الأمر غير معقول، ولكن من يسأل عن المعقول واللامعقول وقتذاك؟ فكل ما كان يحدث يندرج في اللامعقول. لم يمر أكثر من عامين بالضبط على خروجنا متعبين منهكين مستنزفين من الحرب العراقية الإيرانية، التي استمرت لثماني سنوات صعبة (1980–1988)، لندخل حرباً قادمة لا أحد يستطيع أن يقرأ تفاصيلها ونهايتها وكيف ستعصف بنا، ذلك أن احتلال بلد جار وشقيق وعضو في الأمم المتحدة، وانتهاك حرماته، أمر جلل لن تقبل به المنظمة الأممية ولا أي دولة في العالم. إنها ليست نزهة كما اعتقدها صدام حسين ومن أيّده في هذه الحماقة.. حماقة غيرت وجه الشرق الأوسط وأثرت على مسارات شعوب ودول المنطقة.. بالتأكيد كان الشعب الكويتي هو الضحية الأولى، والشعب العراقي الضحية الأكبر. وهذا ما برهنته الأحداث لاحقاً.
كنت مديراً لمكتب صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية في بغداد وقتذاك. رن هاتف البيت، وجاءني الصوت من عاصمة المطر والضباب، لندن. زميلي المشرف على الملف العراقي سألني عن الأوضاع في بغداد، قلت: لا أعرف.. أنا في حالة صدمة، ولا أستطيع كتابة أي شيء حالياً.. سلام.

