رووداو ديجيتال
أعلن مرصد العراق الأخضر أن بغداد تستعد لإرسال وفد تفاوضي إلى تركيا، الشهر المقبل، لبحث ملف المياه والإطلاقات الواردة عبر نهري دجلة والفرات، في ظل استمرار الضغوط التي تواجهها الموارد المائية العراقية.
وقال المرصد، في بيان اليوم الأحد (19 تموز 2026)، إن الوفد سيضم ممثلين عن وزارات الموارد المائية والزراعة والبيئة، إلى جانب أكاديميين ومتخصصين، مشيراً إلى أن المباحثات المرتقبة ستركز على حصة العراق من المياه وآليات تنظيم الإطلاقات المائية.
ووفق البيان، يسعى الجانب العراقي إلى التوصل لاتفاق يحدد حصة عادلة ومنصفة من مياه النهرين، إلى جانب تشكيل لجنة فنية عراقية–تركية دائمة لتبادل البيانات المتعلقة بكميات المياه ونوعيتها ومواعيد الإطلاقات.
وطالب المرصد بأن تستند المفاوضات إلى قواعد القانون الدولي الخاصة بالأنهار العابرة للحدود، وأن تتضمن مشاريع مشتركة لتحديث أنظمة الري وتقليل الهدر المائي في البلدين.
تراجع الإيرادات وتهديد الزراعة
العراق عانى خلال السنوات الخمس الماضية انخفاضاً غير مسبوق في الإيرادات المائية، بسبب تراجع الأمطار وتقليص الإطلاقات من دول المنبع.
وبحسب تقديرات المرصد، تسبب شح المياه في جفاف مساحات من الأهوار، وتهديد مصادر رزق نحو خمسة ملايين شخص يعتمدون عليها، فضلاً عن تملح التربة وتدهور مساحات زراعية في وسط البلاد وجنوبها.
وحذر البيان من أن انخفاض مناسيب دجلة والفرات يزيد تركيز الملوحة والملوثات، ولا سيما في المحافظات الجنوبية، ويضغط على محطات إنتاج مياه الشرب ويقلص المساحات المشمولة بالخطط الزراعية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن دجلة والفرات يوفران ما يصل إلى 98% من المياه السطحية في العراق، فيما انخفضت تدفقاتهما خلال العقود الأربعة الماضية بنسب تراوح بين 30 و40%.
ورغم الأمطار المرتفعة نسبياً خلال موسم 2025–2026 وتحسن الخزين في السدود العراقية، تؤكد الأمم المتحدة أن هذا التحسن لا يلغي العجز الهيكلي طويل الأمد، إذ ما تزال تدفقات دجلة والفرات أدنى بنحو 30% من مستويات ثمانينيات القرن الماضي، مع استمرار تأثير السدود المقامة في دول المنبع وتغير المناخ.
السدود التركية في صلب الخلاف
ينبع نهرا دجلة والفرات من الأراضي التركية قبل دخولهما العراق، مباشرة أو عبر سوريا، ما يمنح أنقرة قدرة واسعة على التحكم بكميات المياه وتوقيت إطلاقها من خلال منظومة السدود والخزانات المقامة في أعالي النهرين.
وتندرج أبرز السدود التركية ضمن مشروع جنوب شرقي الأناضول المعروف باسم "غاب"، الذي وضع خططاً لإنشاء 22 سداً و19 محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية، إلى جانب مشاريع لإرواء نحو 1.8 مليون هكتار في حوضي دجلة والفرات.
ومن أبرز المنشآت المؤثرة في تدفقات الفرات سدود أتاتورك وكبان وكاراكايا، فيما يعد سد إليسو على نهر دجلة من أكبر المشاريع التركية التي أثارت مخاوف عراقية بسبب قدرته على تخزين كميات كبيرة من المياه وتنظيم الإطلاقات باتجاه الحدود العراقية.
وتقول تركيا إن مشروع "غاب" يمثل برنامجاً تنموياً متكاملاً يهدف إلى توليد الكهرباء وتوسيع الزراعة وتحسين الأوضاع الاقتصادية في جنوب شرقي البلاد، بينما ترى بغداد أن تشغيل السدود من دون اتفاق ملزم لتقاسم المياه يجعل العراق، بوصفه دولة مصب، عرضة لتقلبات حادة في الإيرادات المائية.
اتفاقات من دون حصص ملزمة
وكان العراق وتركيا قد وقعا، في نيسان 2024، اتفاقاً إطارياً للتعاون في مجال المياه، ضمن حزمة اتفاقات بين البلدين، ركز على المشاريع المشتركة والإدارة الحديثة للموارد المائية. لكنه لم يتضمن، وفق المعلومات المعلنة، أرقاماً ثابتة وملزمة لحصة العراق أو جدولاً دائماً للإطلاقات.
ولا يقتصر الخلاف بين بغداد وأنقرة على كمية المياه، بل يشمل طريقة توصيف دجلة والفرات قانونياً. ويطالب العراق بالتعامل معهما كنهرين دوليين مشتركين يخضعان لمبدأ الاستخدام المنصف وعدم إحداث ضرر جسيم بدول المصب، فيما تركز المقاربة التركية على مفهوم المياه العابرة للحدود والتعاون الفني والإدارة المشتركة للموارد.
وانضم العراق في عام 2023 إلى اتفاقية الأمم المتحدة لحماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود والبحيرات الدولية، في خطوة سعى من خلالها إلى تعزيز موقفه القانوني والدبلوماسي في المفاوضات مع دول المنبع.
ويواجه العراق، إلى جانب انخفاض التدفقات الخارجية، تحديات داخلية تشمل تقادم شبكات الري، والتجاوز على الحصص المائية، وارتفاع معدلات الهدر، وتلوث الأنهار، والاستخدام غير المنظم للمياه الجوفية.
ويؤكد مختصون أن أي تفاهم مع تركيا لن يكون كافياً من دون إصلاح إدارة المياه داخل العراق، والتحول من الري السيحي إلى الأنظمة الحديثة، وتأهيل القنوات، وفرض رقابة دقيقة على الاستهلاك، ووضع خطط زراعية تتناسب مع حجم الموارد المتاحة.



