رووداو ديجيتال
رفض قائد القوة البحرية العراقية، الفريق الركن مازن عبد الواحد كبيان، إطلاق خفر السواحل الكويتي النار على قارب صيد عراقي، مؤكداً أن دخول الصيادين إلى المياه الكويتية، إن ثبت، لا يمنح أي جهة الحق في استخدام القوة المميتة ضد مدنيين.
وقال كبيان في تصريح ، الجمعة (10 تموز 2026)، إن الجانب الكويتي أبلغ القوة البحرية العراقية بأن القارب تجاوز الحدود البحرية، وأن الحادث وقع داخل المياه الإقليمية الكويتية، لكنه شدد على أن التعامل القانوني كان يقتضي احتجاز الصيادين وتسليمهم إلى السلطات العراقية، بدلاً من إطلاق النار عليهم.
وأضاف أن القوة البحرية أبلغت نظيرتها الكويتية، عبر قنوات الاتصال المباشر، ضرورة مراعاة المعايير الإنسانية والامتناع عن استخدام القوة المفرطة في التعامل مع قوارب الصيد، مهما كانت مبررات توقيفها.
ويمثل تصريح قائد القوة البحرية أول موقف عسكري عراقي واضح يقر بوجود رواية كويتية عن تجاوز الحدود، لكنه يرفض في الوقت نفسه الطريقة التي تعاملت بها الدورية الكويتية مع القارب وطاقمه.
خمسة صيادين ورحلة لم تكتمل
بدأت القضية بعد فقدان الاتصال بقارب صيد عراقي يقل خمسة صيادين من أهالي قضاء الفاو، قبل أن تكشف السلطات المحلية عن احتجازهم لدى الجانب الكويتي.
وانتهت الحادثة بمقتل الصياد نجم عبد الله خالد وإصابة أحد زملائه، فيما أُفرج عن بقية الصيادين بعد تحرك رسمي عراقي قاده وزير الخارجية فؤاد حسين خلال زيارته الكويت.
ووصل جثمان نجم والصيادون المفرج عنهم إلى منفذ سفوان، يوم أمس الخميس، برفقة وفد عراقي ضم وزير الخارجية ومحافظ البصرة أسعد العيداني، وسط تجمع غاضب لأهالي الفاو.
وكانت وزارة الخارجية أعلنت موافقة السلطات الكويتية على إطلاق سراح الصيادين العراقيين المحتجزين، وإعادتهم إلى البلاد برفقة الوفد الرسمي.
روايتان لموقع إطلاق النار
ما يزال موقع الحادثة أحد أبرز جوانب الخلاف.
فالجانب الكويتي، وفق ما نقله قائد القوة البحرية العراقية، يقول إن القارب دخل المياه الإقليمية الكويتية، بينما يؤكد صيادون وأهالٍ في الفاو أن إطلاق النار وقع في منطقة يعدونها ضمن المياه العراقية.
ولم تعلن الحكومتان، حتى الآن، نتائج تحقيق فني مشترك يحدد إحداثيات القارب والدورية الكويتية لحظة إطلاق النار، أو يكشف تسلسل التحذيرات والإجراءات التي سبقت استخدام السلاح.
ويجعل غياب هذه المعطيات الباب مفتوحاً أمام روايتين متعارضتين، لكنه لا يلغي، وفق الموقف العراقي، ضرورة التحقيق في مدى تناسب القوة المستخدمة مع قارب مدني مخصص للصيد.
الفاو تضرب عن البحر
انتقلت تداعيات الحادثة سريعاً من الحدود البحرية إلى مرسى النقعة في الفاو، حيث أعلن الصيادون إضراباً عاماً وامتنعوا عن الإبحار، احتجاجاً على مقتل زميلهم مطالبين بضمانات تحميهم أثناء العمل.
وغابت الأسماك عن المزاد اليومي في المرسى، الذي تحول من مركز للتجارة وتجمع المشترين إلى ساحة احتجاج وترقب، وفق ما نقلت وسائل التواصل وناشطون.
ويقول صيادون إن العودة إلى البحر من دون حماية أو آلية اتصال واضحة مع القوة البحرية تعني تعريض حياتهم للاحتجاز أو إطلاق النار، ولا سيما في المناطق التي تتقارب فيها الحدود والممرات الملاحية.
ولا تقتصر خسائر الإضراب على أصحاب القوارب، إذ ترتبط بمهنة الصيد في الفاو شبكة واسعة من العمال والباعة وأصحاب سيارات النقل ومحال بيع الثلج وصيانة المحركات والشباك.
مطالب بإغلاق القنصلية
وطالب الحراك الشعبي المناهض لاتفاقية خور عبد الله الحكومة باتخاذ إجراءات دبلوماسية وقانونية عاجلة، بينها استدعاء السفير الكويتي وإغلاق القنصلية الكويتية في البصرة وتكليف القوة البحرية بحماية الصيادين.
كما دعا إلى اعتبار الصياد القتيل شهيداً، ومنح عائلته الحقوق القانونية، والتكفل بعلاج المصاب، وتعزيز إمكانات القوة البحرية العراقية في المناطق القريبة من الحدود.
وتصاعد الخطاب السياسي بعد دخول حركة النجباء على خط الأزمة، إذ دعا رئيس مجلسها السياسي علي الأسدي الحكومة إلى إنهاء ما وصفه بالتجاوزات الكويتية، محذراً من استمرار الصمت على استهداف الصيادين.
وقال الأسدي إن مقتل أحد الصيادين يوجب على الحكومة اتخاذ موقف يضع حداً لما وصفه بالاستهانة بأرواح العراقيين وأرزاقهم.
غير أن المطالب السياسية والشعبية تظل منفصلة عن تحديد المسؤولية القانونية، التي تتطلب تحقيقاً مشتركاً يستند إلى الأدلة الملاحية والطبية وشهادات الصيادين وأفراد الدورية.
مهنة محاصرة بالملوحة والحدود
تتجاوز معاناة صيادي الفاو الحادثة الأخيرة، إذ دفعت الملوحة والتلوث وتراجع الثروة السمكية في شط العرب كثيراً منهم إلى الإبحار مسافات أبعد بحثاً عن الأسماك.
وكلما ابتعدت القوارب الصغيرة عن الساحل، اقتربت من مناطق بحرية حساسة تنتشر فيها العلامات الحدودية والدوريات الأمنية، بينما تفتقر غالبية قوارب الصيد التقليدية إلى أجهزة ملاحية متطورة تساعدها على تحديد موقعها بدقة.
ويقول الصيادون إنهم يتعرضون منذ سنوات للمطاردة والاحتجاز ومصادرة المعدات، فيما تتمسك السلطات الكويتية بحقها في حماية مياهها الإقليمية ومنع عمليات الصيد غير المرخصة.
وبين الروايتين، بقي صيادو الفاو الحلقة الأضعف، يعملون داخل مساحة بحرية محدودة ومعقدة، من دون منظومة إنذار واتصال فعالة تربطهم بالقوة البحرية العراقية.


