رووداو ديجيتال
"إذا كان حب العراق وطنجية،
فنعم. أنا أول وطنجي"، بهذه الكلمات الحاسمة يفتتح المفكر العراقي رحيم أبو
رغيف حواره مع برنامج "خارج الأجندة"، ليطلق سلسلة من المواقف الجريئة
التي تلامس المحظور في المشهد العراقي.
لم يتردد أبو رغيف في وصف مشروع
الإسلام السياسي بالفساد والفشل، وتأكيد أن العراق بهويته الممتدة لـ 8000 عام
يسبق المذاهب والأديان ولا يمكن اختزاله في فئة أو أيديولوجيا.
من كواليس مقاطعة المرجعية
الدينية للساسة، إلى أزمة رواتب إقليم كوردستان، وصولاً إلى استهداف التنويريين
بصناعة "تجهيل ممنهج"، يقدّم أبو رغيف شهادة للتاريخ يختمها برسالة
واضحة لحكام الخضراء: "صندوقكم الأسود انكسر، وعمركم الافتراضي انتهى".
أدناه نص الحوار:
رووداو: الإعلام يخاطبونك بالمفكر
العراقي، رغم أنك رجل دين، لكن أيهما تفضل: الهوية العراقية، أم القومية، أم
الدينية، أم ماذا؟
رحيم أبو رغيف: للأسف هذه القضية
أخذت حيزاً فوق مؤنتها، كما يجب يعني، والحال يفترض بنا مثل سائر شعوب الأرض أن
نغادر هذه التحيزات المسبقة للأيديولوجيات القومية أو الدينية. الدين والقومية هما
من الأساسيات في حياة كل فرد يعتز بقوميته وبدينه، لكن بكل تأكيد اليوم الوطن هو
الأهم. رغم عدم وجود مقارنة أو مفاضلة، لكن يبقى الوطن. أنا باعتقادي أنا عراقي،
لأن العراق يمتد إلى نحو 8000 عام، فهو أقدم من الدين وأقدم من القومية، فبكل
تأكيد أنا عراقي، وأفضل وأميل إلى عراقيتي أولاً.
رووداو: برأيكم كيف باستطاعتنا
وباستطاعة الطبقة المثقفة والمتنورة أن تخلق التسامح بين أفراد مجتمع يغلب عليه
التنوع، سواء كان قومياً أو مذهبياً أو طائفياً؟
رحيم أبو رغيف: قضية خلق بيئة
متسامحة ومجتمع متسامح بغية الوصول إلى سلم مجتمعي وأهلي هو هاجس كل شعوب الأرض،
خصوصاً في راهننا. العراق من البلدان التي تتسم بالتعدد والتنوع: التنوع العرقي
والقومي، والديني، والثقافي. ورغم تعدد كل هذه الثقافات، فإن هنالك بصمة مشتركة
لجميع العراقيين وهي عراقيتهم من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. أنا باعتقادي، ارتدادات الأنظمة السياسية التي تعاقبت على العراق بدأت
تنعكس على ثقافة ومزاج وميول الشعوب، ومن هنا قيل "الناس على دين
ملوكها". خلق مجتمع متسامح لا يتحقق بكبسة زر، بل يحتاج إلى مراكمة صناعة
الوعي، وأن يتعاون الجميع بدءاً من الطبقة السياسية. إذا كان المسؤول السياسي يشعر
بمسؤولية أخلاقية ووطنية، يفترض به أن ينظر إلى العقل والوعي الجمعي، وليس أن
يؤدلج انتماءً قومياً أو دينياً لصناعة جمهور وأتباع. وعندما نرى مكوناً من مكونات الشعب العراقي أصابه ما أصابه من جراء
إرهاب داعش أو المتطرفين أو خطاب الكراهية، فهنا دور الحكومة يجب أن يكون بالمقام
الأول، وفوقها دور المؤسسات والمرجعيات الدينية التي يجب أن تتسامى عن استمالة
الأتباع بخطابات تنشر التطرف والكراهية.
رووداو: كيف نقضي على خطاب
الكراهية؟
رحيم أبو رغيف: في المقام الأول
عبر الدولة؛ لابد من سن قوانين صارمة ورادعة في مجلس النواب العراقي لتجريمه.
بموازاة ذلك، يجب أن تكون هناك نخبة من صنّاع الوعي تفكك هذا الخطاب؛ لأن خطاب
الكراهية ينشأ من وهم امتلاك الحقيقة المطلقة والتفوق لدى بعض الجماعات، واعتقاد
أن دينها أو مذهبها هو الصواب المطلق فقط. للأسف، أحزاب السلطة عندما تخوض سباقاً انتخابياً توظف كل شيء، وتلاحظ
قبيل كل ممارسة انتخابية تصاعد منسوب الخطاب الطائفي، لأن أغلب المتسابقين لا
يملكون مشروعاً حقيقياً.
رووداو: لكن أليس الجمهور هو من
يغذي هذا التسابق الطائفي؟ ولماذا ينساق وراء هذا الخطاب؟
رحيم أبو رغيف: الجمهور في الغالب
متلقٍّ، ووعيه لم يرتفع بعد إلى مستوى التمييز والفرز، وهذا يقع عاتقه على الأسرة
والنخب الأكاديمية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني. المجتمعات التي تمر بحالات
عدالة انتقالية من الدكتاتورية إلى الديمقراطية تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، ونحن بعد
20 عاماً وأكثر من التغيير، مازال خطاب الكراهية كالنار تحت الرماد، وسرعان ما
يتمترس كل طرف بقوميته ومذهبه دون مراعاة الهوية الوطنية الجامعة.
رووداو: سمعنا من على المنابر
كلاماً جارحاً بحق العراق، وعدم اعتراف بالوطن وبأن حب الوطن بدعة، من يتحمل
مسؤولية هذا الكلام؟
رحيم أبو رغيف: هذا كلام لا قيمة
له. المنابر كأي ظاهرة فيها الغث والسمين؛ فيها من ينفع الناس، وفيها من يفتقر حتى
لأبسط قواعد النحو وأدبيات اللغة، ويحاول تحقيق حضوره باستهداف الهوية الوطنية. أنا أكتب "العراق أولاً"، وإذا كان حب العراق يجعلك بنظرهم
"وطنجي"، فنعم أنا أول "وطنجي". بلدي هذا، ولنا أسوة في نبينا
محمد والأئمة والمصلحين الذين علمونا أن حب الأوطان من الإيمان. الوطن سابق على
الأديان، وهو الفضاء الواسع الجامع ولا مفاضلة بينه وبين العقيدة.
رووداو: مرجعية النجف لطالما رفعت
شعارات مثل: "حصر السلاح بيد الدولة"، و"كلا للفساد"،
و"المجرَّب لا يُجرَّب"، لكن يتم الالتفاف عليها، حتى أن بعض أطراف
الطبقة السياسية لا تعترف بالمرجعية، لماذا؟
رحيم أبو رغيف: الأعم الأغلب من
العراقيين يعترفون بالمرجعية، لكن من بيدهم المال والسلاح والسلطة يبحثون عن
مرجعيات أخرى تشرعن لهم وجودهم؛ لأن مرجعية السيستاني أغلقت أبوابها بوجه
السياسيين وقالت: "نحن غير معنيين باستقبالكم، اذهبوا واخدموا بلدكم وحققوا
العدالة الاجتماعية وسلم الرواتب وخففوا الفقر". السيستاني لا يريد أحداً أن
يتقرب إليه أو يمدحه، بل يريد منهم أن يتقربوا إلى الله بإرضاء ضمائرهم وخدمة
الناس ونشر العدالة والإحسان، وهذه قيم أخلاقية يجب أن تسود.
رووداو: هناك جدل دائم في الشارع
العراقي حول مبدأ "ولاية الفقيه" وإمكانية تطبيقه في العراق، أنت كمفكر
عراقي، كيف ترى هذا النموذج؟ وهل أنت معه أم ضده؟
رحيم أبو رغيف: ولاية الفقيه هي
"مبنى فقهي" يتبناه بعض الفقهاء وفق أدلتهم، لكنني شخصياً لست مع هذا
المبنى تماماً. أنا مع مدرسة النجف التي يمثلها السيستاني (وامتداداً للخوئي
والحكيم)، والتي تقصر دور الفقيه على "الأمور الحسبية" كرعاية القاصرين
وأموال اليتامى، وعدم التدخل المباشر في إدارة مفاصل الدولة السياسية. تجربة ولاية الفقيه لا يمكن تطبيقها في العراق إطلاقاً؛ لأن بيئة
العراق تختلف جذرياً عن بيئة إيران. العراق "مهد الحضارات"، لا يمكن
لقومية عربية أو كوردية ولا لدين إسلامي أو مسيحي أن يختزله، العراق لكل العراقيين
بالتساوي. فضلاً عن ذلك، اتجاه ولاية الفقيه عند الشيعة
الإمامية لا يمثل سوى 1% أو 2%، وهو من حيث الهيكلية الفكرية يشبه مفهوم
"دولة الخلافة" عند الإخوان المسلمين. الأصل هو: هل بُعث النبي محمد صلى
الله عليه وآله ليؤسس دولة أم ليبلغ رسالة ودين ومكارم الأخلاق؟ القرآن لم يصف
النبي برئيس دولة، بل صاحب رسالة وهداية.
رووداو: كيف تصف تجربة
"الإسلام السياسي" في العراق بعد عام 2003؟
رحيم أبو رغيف: كانت نموذجاً
صارخاً للفشل والإخفاق والفساد، وهذا ينطبق على الإسلام السياسي وكل النخبة
والطبقة السياسية التي توافقت معه. المشهد الطاغي منذ 2003 حتى اليوم هو الفشل
وهدر أموال الدولة، بل إن سوء أدائهم وتسترهم بالدين أدى إلى تنامي تيارات الإلحاد
واللادينية وردات الفعل السلبية تجاه الدين نفسه.
رووداو: هل يفضل للعراق أن يكون
نظامه برلمانياً، أم رئاسياً، أم ملكياً؟
رحيم أبو رغيف: النظام البرلماني
النيابي ممتاز لو طُبق على أصوله، لكن المشكلة تكمن في غياب الفهم الحقيقي
للديمقراطية وفي تدني مستوى وعي الناخب، حيث يتساوى صوت الأكاديمي والمثقف مع صوت
من يبيع صوته أو يفتقر للوعي. الديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى آليات انتخابية
عادلة ومفوضية نزيهة تعكس روح الديمقراطية. وفي ظل واقعنا الحالي، أميل إلى أن
يكون النظام رئاسياً - نيابياً مشتركاً.
رووداو: من ترى في العراق اليوم
"زعيماً حقيقياً"؟
رحيم أبو رغيف: دون اختزال، هناك
زعامات صنعتها الجماهير والتاريخ؛ أرى زعامة مقتدى الصدر في النجف، فهو زعيم يمتلك
القدرة على تحريك الشارع، وورث هذه الزعامة وراكمها وطنياً ودينياً. وكذلك الرئيس مسعود بارزاني، فهو زعيم بكل ما للكلمة من معنى، بمعزل عن
الاتفاق أو الاختلاف معه. زعامته ولدت من رحم الجبال والنضال الطويل وتاريخ عائلته
وقضيته، وليست زعامة طارئة ولدت في لحظة عام 2003.
رووداو: على ذكر الكورد، وبسبب
الخلافات والتجاذبات السياسية، موظفو ومتقاعدو إقليم كوردستان يعانون من تأخر وعدم
استلام رواتبهم، ما موقفك من هذه الأزمة؟
رحيم أبو رغيف: مؤسف ومؤلم جداً
أن نسمع هذا. المواطن في إقليم كوردستان هو مواطن عراقي دستورياً وإنسانياً،
ويفترض ألا ترتبط لقمة عيشه وقوته بالمناكفات والخلافات السياسية بين بغداد وأربيل. مشكلتنا كعراقيين ليست مع بعضنا وليست مع العراق، بل مشكلتنا مع
"الأنظمة السياسية" التي أذاقت الجميع الويلات. يجب فصل قوت الموظف
والمتقاعد في كوردستان - أسوة بأي موظف في بغداد أو البصرة - عن الصراعات
السياسية، وهذا حق وواجب أخلاقي وإنساني.
رووداو: المفكرون والتنويريون في
العراق يتعرضون دائماً لهجمات وتخوين واتهامات بالردة، لماذا؟ وكيف نحد من هذا
الاستهداف؟
رحيم أبو رغيف: هذا قدر المفكرين
عبر التاريخ؛ من سقراط الذي أُعدم لأجل الكلمة والموقف، مروراً بغاليلو وبرونو،
وصولاً إلى المفكر محمود محمد طه في السودان. المفكر بطبيعته لا يغرد على أهواء
وإيقاع "القطيع". وصنّاع التجهيل في مجتمعاتنا هم من يحركون الجمهور
لمهاجمة أصحاب الفكر المستنير لأنهم يصدحون بالحق الذي لا يروق لأصحاب المصالح.
نحن نريد التسامح ونريد أن نعيش في بلد يفيض بالخيرات التي تكفي الجميع ويزيد.
رووداو: كلمة توجهها للطبقة
السياسية في العراق؟
رحيم أبو رغيف: أقول للطبقة
السياسية: عمركم الافتراضي قد انتهى، ومن يظن أن مفاتيح الماضي لاتزال تنفع فهو
واهم. أدعوكم إلى أن تتحولوا لمرحلة "آباء مؤسسين"، وأن تراجعوا أداء
حقبة ما بعد 2003 مراجعة مسؤولة، وتفسحوا المجال للإزاحة الجيلية. هذا الجيل
الجديد خُلق لزمان غير زمانكم، ولا يفهم لغتكم ولا خطابكم، فقدموا للبلد دماءً
جديدة تفهم متطلبات المرحلة.


