رووداو ديجيتال
في مجموعته القصصية المتسلسلة "العراق الذي تركناه.. حكاية لاجئ عبر البحر"، الصادرة عن دار توليب في بغداد عام 2026، يستعيد الكاتب حمزة عيدان وجوهاً وأمكنة وتجارب امتدت من طفولته على ضفاف الفرات وشبابه في بغداد، إلى سنوات الاغتراب ورحلة الهجرة عبر البحر. لا يقدم الكاتب حكاية واحدة متصلة، بل قصصاً تحتفظ كل منها بعالمها وشخصياتها، وتلتقي جميعها عند إنسان يحمل ماضيه معه، ويحاول أن يفهم ما تركته الحياة في داخله.
"أنا غادرت المكان لكنني لم أغادر الذاكرة"، يقول عيدان لشبكة رووداو الإعلامية، إن العراق الذي بقي معه هو عراق الطفولة والشباب والأم والبيت البسيط وشوارع بغداد والفرات والجامعة. أما العراق الذي تركه، فهو ذلك المرتبط بمرحلة زمنية وظروف لم يعد بالإمكان استعادتها. ويضيف: "ربما كان عنوان العراق الذي تركناه لا يعني أنني تركت العراق نهائياً، بل يعني أننا جميعاً تركنا جزءاً من العراق الذي كنا نعرفه، وهو أيضاً ترك فينا شيئاً لا يغادر".
تبدأ المجموعة بقصة "سبيروجيرا"، حيث تعود ذاكرة الكاتب إلى بركة ماء قرب بيت العائلة، وإلى الطحالب التي التصقت بذاكرته منذ الطفولة. تتحول رائحة الطحالب هنا إلى أثر حسي يستدعي الخوف القديم، قبل أن تتسع الحكايات لتشمل تجارب الفقر والحب والعلاقات العائلية. وفي "حين انتصر الفقر على الحب"، يستعيد الكاتب علاقة عاطفية بدأت في الجامعة المستنصرية، لكنها لم تصمد أمام الظروف المادية ورفض الأب، لتنتهي بلقاء عابر بعد سنوات، وقد مضى كل من الحبيبين في حياته، وكأنه يردد مقطعاً من قصيدة الأطلال " لاتقل شئنا، إن الحظ شاء".
تنتقل المجموعة بين حكايات شخصية وأخرى تستحضر شخصيات تركت أثرها في محيطها. ففي "بائعة الخبز"، نقرأ حكاية أم أمضت ثمانية وأربعين عاماً أمام التنور لتؤمّن لأبنائها حياة أفضل، لكنها رحلت قبل أن تنعم بما تمنته لنفسها. وفي "حين يصبح الأخ غريباً"، تتخذ الغربة وجهاً آخر، حين يعود المغترب إلى وطنه ليجد نفسه غريباً بين أقرب الناس إليه، بعد سنوات من العمل والتضحية من أجل عائلته.
وعن اختياره لهذا البناء القصصي، يقول عيدان لرووداو: "جاءت القصص منفصلة في ظاهرها لكنها متصلة في داخلها"، موضحاً أن ترتيبها لم يعتمد التسلسل الزمني بقدر ما اعتمد الإيقاع النفسي للكتاب، والانتقال بين الحب والفقد والوطن والغربة والفقر والأمل، من دون تقديم سيرة ذاتية مباشرة.
بغداد تحضر في قصص أخرى بوصفها مدينة عاش فيها الكاتب تفاصيل شبابه، لا مجرد مكان يستعيده من بعيد. ففي "الذاكرة تمشي على هارون الرشيد"، يستحضر سنوات الدراسة والسينما والمقاهي والأسواق ورفاق الجامعة، بينما تعيد "حكاية فندق بسمة الصباح" رسم جانب من حياة الطلبة والمغتربين داخل المدينة، وما ارتبط بها من أماكن وشخصيات وحكايات يومية.
أما الهجرة، فتأخذ في "خطوات فوق الخوف" بعداً يتجاوز عبور الحدود. يروي الكاتب رحلة بحرية انتهت باكتشاف أن المهرّب لم ينقل المجموعة إلى اليونان كما وعد، وأن النجاة من البحر لم تكن نهاية المخاطر. وعن تلك التجربة يقول لرووداو: "نجوت من خطر واضح لكنني دخلت بعدها في أسئلة جديدة: أين سأعيش؟ هل سأجد الأمان؟ هل سأبدأ من جديد؟ وهل يستطيع الإنسان أن يبني حياة جديدة من دون أن يخسر حياته القديمة؟".
ولا تبدو أستراليا، حيث استقر الكاتب، قطيعة مع العراق، بل مكاناً أتاح له بناء حياة جديدة وذكريات أخرى. يقول عيدان: "لا أحب كثيراً تعبير الوطن البديل، لأن الوطن بالنسبة لي ليس قطعة أرض يمكن أن تُستبدل بأخرى"، مؤكداً أن حب العراق لا يتعارض مع احترام البلد الذي احتضنه، وأن الغربة منحته المسافة التي يحتاجها لرؤية تجاربه السابقة بطريقة مختلفة.
بين صور الطفولة وحكايات الحب والفقد وتجربة الهجرة، لا تسعى المجموعة إلى رسم ماضٍ مثالي أو اختزال الاغتراب في المعاناة، وإنما تترك لكل حكاية أن تكشف جانباً من تجربة صاحبها. ولعل مفتاح قراءة هذا العمل يكمن في ما يقوله عيدان عن غايته من الكتابة: "الكتاب بالنسبة لي ليس محاولة للعودة إلى الماضي، وإنما محاولة لفهمه والتصالح معه ثم الاستمرار في الحياة".

