رووداو ديجيتال
صدر عن دار ( 49 بوكس) في السويد، الجزء الأول من الأعمال الشعرية للشاعر الكوردي السوري لقمان محمود. ويُعد صدور هذه الأعمال الشعرية محطة بارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود. وتتضمّن هذه الأعمال الشعريّة ستة دواوين، وهي على التوالي: (أفراح حزينة، 1990)، (خطوات تستنشق المسافة: عندما كانت لآدم أقدام، 1996)، (دلشاستان، 2001)، (القمر البعيد من حريتي، 2012)، (وسيلة لفهم المنافي، 2014)، و(الماء الأسير، 2015).
الحساسية تجاه اللغة والحياة
إن صدور الأعمال الشعرية لأي شاعر يُعد اعترافاً بقيمة تجربته ومكانته في المشهد الأدبي، وهذا ما ينطبق على لقمان محمود، الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره بوصفه شاعراً يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والحياة، فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الصدق الشعوري والقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية بأبعادها المختلفة.
والإلمام بالأبعاد الرؤيوية والجمالية لهذه التجربة الطويلة ليس بالأمر الهين، إذ يدرك المتتبع لمساره الشعري أن تجربته تزداد عمقاً ورسوخاً مع صدور كل ديوان جديد. الشاعر الذي نشر أربعة عشر ديواناً شعرياً، بدءاً من باكورته "أفراح حزينة" وحتى آخر دواوينه "في الطريق إلى نفسي"، حاول دائماً أن يكون لكل ديوان نبرته الخاصة، ولكل مرحلة درجة مختلفة من الاقتراب من الذات والعالم.
الشعر أداة لتوسيع العالم
يرى لقمان محمود أنّ "الشعر أداة سحرية لتوسيع العالم عبر رفع سقف المخيلة. وبهذا المعنى، كلّما رأيتُ صياداً يتربّص بالسماء عرفتُ أنّ هناك أغنية ستسقط. وكلما رأيتُ طائرة تتربّص بالأرض أيقنتُ أنّ هناك روحاً ستغيب".
وفي عالم مشحون بالصراعات كتب الشاعر ديوانه الأول "أفراح حزينة" عام 1990، باللغة العربية، ويوضح تلك المفارقة قائلاً: "فالكورديّ المحروم من لغته الأم يجد نفسه في لغة غريبة (فرضت عليه) لا يعرف منها والداه سوى الفاتحة والدعاء، فيصرّ تحت ضغط التهميش والحرمان والضرورة أن يتعلّم هذه اللغة الطارئة على تفكيره وأحاسيسه ووعيه بكلّ السبل. هكذا تطرأ لغة أخرى مسموح بها إلى جانب لغة الأم الممنوعة. وبما أنّ الإبداع -على الأغلب- يتعلق بالوعي الجماليّ. نادراً ما يبتعد هذا الوعي عن الوعي الإنسانيّ".
وعن علاقته بالكتابة باللغتين، يضيف لقمان محمود: "لم أفكر حتى الآن، باللغتين "الكوردية" و"العربية" من ناحية التفضيل؟ أكتب بهما كأيّ "سبّاح" لا يستطيع الاستغناء عن إحدى يديه. ما أريده من القصيدة الكوردية هو ما أريده من الكتابة بشكل عام.. أي أنْ تكون القصيدة وطناً وبنفس الوقت منفى. أنْ تكون القصيدة سفراً وبنفس الوقت عزلة. أنْ تكون القصيدة كوردية وبنفس الوقت عالمية الإبداع".
صناعة الحلم وجدلية الذاكرة والسجن
وبما أنّ لقمان محمود ينتمي إل فئة الشعراء الأحرار الذين هم في الأصل "الحالمون الكبار"، فإنه يصح وصفه بأنه "شاعر حلمي"، وما الكتابة لديه سوى محاولة جادة لصناعة عالمٍ جميل ومختلف.
إن كل ما يجري في العالم ينعكس على الشاعر بطريقة أو بأخرى، ويبدو أن الحياة بالنسبة له هي دائماً في مكان آخر، وهذا المكان الآخر هو "الحلم"، ففي الحلم لا يعود السجين سجيناً. وتكتسب هذه الفكرة عمقاً واقعياً بالنظر إلى تجربة الشاعر الشخصية، إذ تعرض للاعتقال ودخل السجن في عام 2001، بسبب ديوانه "دلشاستان" الصادر في المغرب آنذاك.
ومن رحم تلك المعاناة، تبرز الذاكرة في قصيدته لا بوصفها مجرد التفات نحو الماضي وحسب، بل كأداة ضبط لسلام الفرد الداخلي وتصالحه مع ذاته، فالذاكرة في نهاية المطاف تساوي الحياة نفسها.
اللعبة اللغوية وحفظ أسرار الشعوب
وبما أنّ الشعر يختلف عن بقية الفنون بخصوصية "اللعبة اللغوية"، فإن الشاعر ينجح في أن "يخبئ" بين سطوره الأسرار الأعمق للشعب الذي ينتمي إليه. ومن هنا، لا تمنح القصيدة معناها بشكل مباشر أو سطحي، بل تظل حارسة للهوية والوجدان، ومن هذه الزاوية الفريدة بالتحديد، تكتسب الشعوب أسرار وجوهر بعضها من خلال بوابة الشعر.
وفي حوار له مع مجلة "السلام" السويدية، يؤكد لقمان محمود هذا البعد الإنساني للشعر قائلاً: "يحاول الشعر أن يجعل العالم أجمل وأكثر سلماً، كي تتعايش الثقافات واللغات في جو من الوئام والمحبة، بدلاً من المنع والسجن والقتل والإبادة، وأنا أكتب باللغتين الكوردية والعربية بحثاً عن مزيد من الأجنحة التي تطلقني إلى آفاق أوسع. فجميلٌ أن يستنشق الواحد رائحة ودفء ونكهة وحنين اللغة الأم، لكنّ الأجمل من ذلك هو معرفة أحضان وقبلات لغوية أخرى".
أصوات نقدية وإبداعية واكبت التجربة
حظيت تجربة لقمان محمود باهتمام نقدي وإبداعي واسع من كبار النقاد والكتاب، حيث يرى الناقد د. محمد صابر العبيد في كتابه "الشعر بوصفه هوية من التشكيل إلى العلامة": أن لقمان محمود: "يكتب بالعربية والكوردية أيضاً، وهذه الثنائية الكتابية تتيح له أن يعمّق أسلوبه الشعري ورؤيته الشعرية وتشكيله الشعري أكثر، وهو ما اتضح جلياً في ديوانه الموسوم ب "القمر البعيد من حريتي". ويضيف العبيد أن مقاربة قصائد هذا الديوان تكشف عن قيمة المفارقة حين تصل إلى مستوى الترميز تعبيراً عن مقولة الذات الشاعرة، وهو ما يسهم كثيراً في تشكيل هوية خاصة ذات طابع إنساني وجمالي وثقافي.
أما الشاعر الكوردي الكبير الراحل شيركو بيكس، فقد وصف هذه التجربة بعبارات بالغة الشفافية قائلاً: "إنّ قراءة قصائد لقمان محمود، تشبه قراءة رذاذ المطر والوحدة والليل المقمر. أحياناً تشبه المويجات في شفافيتها وأحياناً أخرى تنأى بعيداً على مدى إمتداد الخيال.. وهناك لحظات تشعر بأنها قريبة منك كقرب دموع عينيك".
وفي السياق ذاته، يشير الناقد إبراهيم حاج عبدي إلى تميز هذه التجربة بقوله: "ينجح لقمان محمود في صوغ نصوص تخاطب القلب والعقل، وتثبت أننا إزاء صوت شعري يمزج بين الهم الخاص والعام، ويعانق أفراح الحياة وخيباتها بأكثر المفردات رهافة، ورقة، ومن خلال إيقاع متناسق يطمح في جعل الحياة قصيدة متدفقة كنهر من الحبر".
ويضيء الروائي جان دوست على لغة الشاعر التعبيرية قائلاً: "نجد الشاعر لقمان محمود مهتماً بالابتكار، ابتكار الصورة الشعرية من كلمات بسيطة بساطة الماء، ويصطدم المرء بهذه القدرة الكبيرة في كثافة التعبير".
في حين يرى الناقد جاسم عاصي في كتابه "الإيقاع المنفرد – دراسات في شعر الكورد" أن: "المكان في شعر لقمان محمود مشيّد جمالياً على أسس أخلاقية تأخذ بصورة النقاء للأشياء، وتتعامل مع معالمه بروح فائضة الرومانسية، إنها رومانسية ترتكز على أسس مبدئية خالصة. صورة النقاء أولى مبادئها، وتجميل الحياة ضمن أوراق دستورها. إنه يؤسس جمهورية خلاله وفق منظور جمالي خالص أمام تأسيس مشوه تخلقه قوى الشر عبر التاريخ".
أما الناقدة نجاح إبراهيم فتقول: "جاءت تجربة الشاعر لقمان محمود كسراً للقوالب المعهودة من ضمّ السرد إلى الشعر بشكلٍ متمم، وليس قابعاً كما عهدناه داخل القصيدة، وذلك بلغة مكثفة، متحفزة تدلي برموزها ودلالاتها كما لو كانت لغة القصيدة".
دراسات وإصدارات وترجمات حول تجربة الشاعر
يُذكر أن تجربة لقمان محمود شكّلت موضوعاً لعدد من الدراسات والكتب النقدية المخصصة، من بينها: كتاب "بناء النص الشعري عند لقمان محمود (دراسة تحليلية)، للناقد د. جمال خضير الجنابي (العراق 2013). كتاب "قمر عامودا، دراسة نقدية في تجربة الشاعر لقمان محمود"، للناقد هشام القيسي (العراق 2015). وكتاب "حوار صبري يوسف مع الشاعر والناقد لقمان محمود"، ( السويد 2023).
هذا الحضور النقدي توازى مع حضور ترجمي لافت، حيث تُرجمت قصائده إلى عدة لغات، من بينها: الدانماركية، والإسبانية، والفارسية، والنرويجية، والألمانية، والأمازيغية، والإيطالية، والإنكليزية. كما تمت ترجمة مختارات شعرية إلى اللغة السويدية تحت عنوان "الجحيم"، وصدرت في السويد، عام 2024، بترجمة آنّا يانسون. كذلك تمت ترجمة مختارات شعرية إلى اللغة الفرنسية تحت عنوان "قلب الماء"، وصدرت في فرنسا، عام 2025، بترجمة صبحي دقوري.
سيرة إبداعية حافلة
يُشار إلى أنّ لقمان محمود شاعر وناقد كوردي سوري يحمل الجنسية السويدية، وهو من مواليد مدينة عامودا عام 1966. يكتب باللغتين الكوردية والعربية. وهو عضو اتحاد الأدباء والكتاب السويديين. صدر له حتى الآن أربعون كتاباً تتوزع بين الشعر والنقد والسيرة والمذكرات واليوميات والترجمة.
وقد شارك لقمان محمود في العديد من المهرجانات الشعرية والفعاليات الثقافية ومعارض الكتب، داخل السويد وخارجها. وفي مسيرته الإعلامية، عمل في مجال الصحافة الثقافية كمحرر في مجلة سردم العربي، ومجلة اشراقات كوردية، كما عمل محرراً في القسم الثقافي لجريدة التآخي.




