رووداو ديجيتال
تداولت الاخبار، مؤخراً، قصة
اغتصاب ضابط شرطة عراقي برتبة نقيب مع ثلاثة من المنتسبين، لمحتجزة في مركز شرطة
النهضة في مدينة الديوانية، واحيل المغتصبون، حسب الاخبار، الى القضاء العسكري.
قبلها سمعنا وقرأنا عن العشرات أو
المئات من قضايا اغتصاب أطفال وفتيات ونساء رافقتها جرائم قتل للضحايا وأحيل
المجرمون إلى القضاء دون أن نسمع أو نقرأ تفاصيل المحاكمات والعقوبات التي يجب أن
تكون مشددة وعلنية كي تتحول إلى دروس يتعظ منها من يحاول تكرار هذه الجرائم.
أتيح لي قبل بضعة أيام مشاهدة
الفيلم الاسباني الوثائقي "أنت لست وحدك" الصادر عام 2024، من
تأليف وإخراج ألمودينا كاراسيدو وروبرت بهار، حيث يتناول قضية الاعتداء الجنسي
التي ارتكبتها عصابة "لا مانادا"، قطيع الذئاب، خلال مهرجان سان فيرمين
عام 2016 في بامبلونا الاسبانية. أنتجت الفيلم شركة لوسيرنام فيلمز، ويعرض على
منصة نتفليكس الأميركية.
يروي هذا الفيلم الوثائقي، الذي
أُنتج سراً على مدى ثلاث سنوات ونصف، تفاصيل الاعتداء الجنسي الذي تعرضت له شابة
في السادس من تموز 2016، خلال احتفالات سان فيرمين، على يد خمسة رجال، أحدهم ضابط
في الحرس الوطني، أطلقوا على أنفسهم اسم
"لا مانادا".
من خلال سرد الضحايا، حيث قامت
ناتاليا دي مولينا وكارولينا يوستي بتمثيل أصواتهن حفاظًا على سرية هويتهن، يكشف
الفيلم أخطاء النظام القضائي والإعلام والمجتمع الاسباني في تعاملهم مع العنف
الجنسي.
أجرى ألمودينا كاراسيدو وروبرت
بهار، مخرجا الفيلم الوثائقي الحائز على جوائز "صمت الآخرين عن ضحايا
فرانكو"، لصالح برنامج "لست وحدك" أكثر من ستين ساعة من المقابلات،
وخمسين ساعة من المواد المرئية الأصلية، وما يقارب ألف ساعة من المواد الأرشيفية.
إضافةً إلى ذلك، يقدم الفيلم
شهادات وتحليلات من قبل عدد من خبراء الشرطة، فضلاً عن بعض الشخصيات البارزة في
القضية من السلك القضائي، مثل المدعية العامة إيلينا ساراساتي، والسياسي خوسيبا
أسيرون، عمدة بامبلونا عام 2016، والإعلامية والناشطة النسوية آنا ريكينا.
يتناول الفيلم الوثائقي أيضاً
حادثة الاعتداء في بوزوبلانكو الاسبانية، التي ارتكبها أربعة من المتهمين أنفسهم،
وجريمة قتل ناغور لافاج عام 2008، مما يتيح لنا رؤية تطور في فهم مختلف القضايا في
المجتمع الإسباني.
بالإضافة إلى ذلك، يُظهر الفيلم
كيف نظمت الحركة النسوية صفوفها لدعم الضحية باستخدام شعارات مثل "أختي، أنا
أصدقكِ"، و"ليس هذا اعتداءً، بل اغتصاب"، و"لستِ وحدكِ".
بلغت هذه المظاهرات في مناطق مختلفة من إسبانيا والعديد من دول أميركا اللاتينية
واستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا، ذروتها في حراك نسوي جماهيري عام 2018،
وتغيير في التشريعات التي ركزت على الموافقة الجنسية، منتقلةً من مفهوم "لا
تعني لا" إلى "نعم تعني نعم فقط". وقد قادت وزارة المساواة حملة
"الجنسانية" لعام 2022.
ما أثار الرأي العام هو ان لجنة
المحلفين والقضاة اعتبروا القضية اعتداء أو تحرشاً جنسياً، كون الضحية لم تقاوم
المغتصبين الخمسة، وكان عذرها أنها لم تستطع مقاومتهم وخشيت أن تتعرض للقتل مثلما
حدث للضحية ناغور لافاج عام 2008، والتي ظهرت والدتها في لقطات عديدة من الفيلم
وهي تشارك في كل التظاهرات تأييداً للضحية الجديدة. وشددت تصريحات غالبية
المتظاهرات بأنه من حق الفتاة أن تخرج مع صديقاتها ليلاً وترتدي تنورة قصيرة وهذا
لا يعني أن تتحول الى مشروع اغتصاب أو اعتداء جنسي جماعي.
الادعاء العام ومئات الالاف من
المتظاهرات والمتظاهرين في اسبانيا طالبوا باعتبار ان القضية هي "اغتصاب وليست
تحرشاً أو اعتداء جنسياً"، لكن القضاء توصل الى انه اعتداء وليس اغتصاب، وقضى
بالسجن ثماني سنوات على المجرمين، مما أثار موجة وطنية وعالمية من الغضب
والاعتراض، خاصة وأن المحكمة سمحت للمجرمين بالخروج من السجن بكفالة وظهروا
مبتسمين مؤكدين أمام الكاميرات برائتهم، وقال احدهم: "كانت مستمتعة لأنها لم
تقاوم ونحن نتداول عليها"، وعندما سألوه لماذا سرقت هاتفها المحمول بعد
اغتصابها، قال بهدوء: مجرد طمع.. هذا كان خطأ".
برلمانيون وقادة أحزاب ووزراء
ومنظمات حقوقية ومجتمع مدني اضافة الى المئات من الالاف من المتظاهرات اعترضوا على
الحكم وتم نقل القضية الى محكمة نقض عليا ايدت الحكم.
استمرت القضية 3 سنوات من
الاعتصامات وشارك الاعلام بقوة لاظهار عدم عدالة الحكم، مما توجب نقلها الى اعلى
محكمة في اسبانيا، محكمة الدولة العليا، التي قضت بعد سماع الافادات والادعاء
العام ومحاميي الدفاع الذين أصروا على براءة موكليهم، قضت محكمة الدولة العليا
بتجريم المغتصبين واعتبار ما حدث جريمة اغتصاب جماعي، وتم الحكم بالسجن المؤبد على
أفراد العصابة، واضطر القضاء الى تعديل قوانينه التي لم تكن تعتبر مثل هذه القضايا
جرائم اغتصاب بل اعتداء جنسي.
قبل عرض فيلم "لست وحدك"
في الاول من آذار 2024، نُظمت عروض خاصة في دور السينما بمدن إسبانية مختلفة.
وشهدت بعض هذه العروض مشاركة مخرجيها ألمودينا كاراسيدو وروبرت بهار، كما عُرضت في
الأكاديمية الإسبانية للفنون والعلوم السينمائية (AACCE)، حيث حضر
أيضاً عدد من ممثلي الحكومة الإسبانية.



