تعد ترجمة رواية "غواصو الأحقاف" للروائية السعودية أمل الفاران إلى اللغة الكوردية، تحت عنوان (Jêderyavanên Ehqafan)، حدثاً أدبياً لا يكتفي بنقل الحكاية من بيئة إلى أخرى، بل يفتح نقاشاً حول آليات "التوطين اللغوي" للنصوص الإبداعية. فالمترجم ياسين حسين، الذي تصدى لهذه المهمة، يرى أن العمل يمثل "تناصاً ثقافياً" معقداً، يتطلب من المترجم أكثر من مجرد إتقان اللغتين، بل امتلاك قدرة على استحضار البيئة الجغرافية والروحية للنص.
"
التناص الثقافي": أبعد من حدود الترجمة التقليدية
في تصريحات خاصة لشبكة "رووداو" الإعلامية، يضع المترجم ياسين حسين يده على جوهر التحدي الذي واجهه، مؤكداً أن عملية النقل لم تكن ترجمة بمعناها التقليدي الرتيب، بل كانت "مغامرة أدبية" بامتياز. يقول حسين: "إن نقل نص مغرق في محليته وخصوصيته البيئية مثل (غواصو الأحقاف) إلى لغة أخرى، هو تحدٍّ يواجه المترجم في مستويين: مستوى اللغة التقنية، ومستوى الروح السردية".
ويوضح حسين أن الرواية ليست مجرد أحداث متسلسلة، بل هي معجم حي لبيئة نجد، حيث يقول: "تحفل رواية أمل الفاران بمصطلحات دقيقة جداً تنتمي لبيئة نجد وحياة الغوص؛ كأصناف النباتات (مثل الورس، السمر، والسيال)، وتفاصيل تشريح الإبل، ومصطلحات الغوص في البحر وتصنيفات اللؤلؤ". ويؤكد أن هذه التفاصيل فرضت عليه القيام بما أسماه "بحثاً ميدانياً في اللغة الكوردية"، موضحاً: "لم تكن المهمة مجرد إيجاد مقابل لفظي، بل البحث عن مكافئات دلالية لا تكتفي بنقل المعنى، بل تنقل الحالة الشعورية والبيئية لتطويع المعجم الكوردي ليتسع لصحراء نجد، بحيث تأتي الكلمات في الترجمة رصينة وذات رنين يحاكي رنين النص الأصلي".
معالجة "النفس الأسطوري" ومرارة الغربة
يذهب ياسين حسين في تحليله إلى أبعد من الجوانب المادية، مشيراً إلى أن الرواية تعتمد على مناخات نفسية مرتبطة بالغيبيات والظواهر الطبيعية، كالسيل والأوبئة والرهاب من "الجن" والتعاويذ التي تحمي الأطفال. وعن هذه المهمة يقول المترجم: "كانت المهمة الأصعب أمام الترجمة هي نقل هذا (النفس الأسطوري) دون أن يبدو غريباً على القارئ الجديد، فالعالم الذي بنته الفاران يتماهى فيه الحقيقي بالخيالي حتى يغدو الفاصل بينهما شعرة رفيعة، وكان عليّ الحفاظ على هذه التوليفة الحساسة في السياق الكوردي".
وفيما يخص أسلوب الكاتبة، يشير حسين إلى ميزة فنية دقيقة وهي "البطء المتعمد" في السرد. يوضح المترجم: "يتميز أسلوب أمل الفاران بالبطء لتعميق الإحساس بانتظار الشخصيات، وهذا الإيقاع كان يجب أن يُنقل بكل أمانة. لقد حاولت الحفاظ على تلك الموسيقى الداخلية للجملة العربية، ونقلها إلى سياق كوردي أدبي رفيع، بحيث لا يشعر القارئ بأنه أمام نص مترجم، بل أمام عمل وُلد في الأصل بهذه اللغة".
الرواية كوثيقة إنسانية عابرة للثقافات
في ختام حديثه، يؤكد المترجم ياسين حسين أن العمل بصدور نسخته الكوردية لا يستهدف فئة معينة، بل يهدف إلى إدماج التجربة السعودية في سياق عالمي. يختتم حسين حديثه قائلاً: "إن صدور (غواصو الأحقاف) باللغة الكوردية هو احتفاء بقدرة الأدب السعودي على العبور إلى آفاق جديدة. إنها دعوة لكل متذوق للأدب الرفيع ليقرأ هذه الملحمة؛ ليرى كيف يمكن للرواية أن تكون وثيقة إنسانية عابرة للثقافات".
ويضيف: "أصبحت (أحقاف) أمل الفاران الآن متاحة للقارئ الكوردي ليتأمل فيها صمود الإنسان أمام الطبيعة، ويستمتع بواحدة من أجمل ما كُتب في الرواية العربية المعاصرة".
وبهذا التوسع، تظهر أهمية المشروع ليس فقط كنقل لغوي، بل كجسر ثقافي استغرق جهداً بحثياً وجمالياً لجعل الصحراء بنجد والخليج تتحدث لغة الضاد في ثوبها الكوردي الجديد، مع الاحتفاظ بخصوصية المكان التي جعلت من "غواصو الأحقاف" تجربة مميزة في الأدب المعاصر.

الغلاف الأول لرواية "غواصو الأحقاف" باللغة الكوردية


.jpg&w=3840&q=75)
