رووداو ديجيتال
من قرية في مندلي، أقصى شرق العراق، اسمها (كبيري)، مزدحمة بأشجار النخيل والرمان، خرج علي المندلاوي إلى بغداد للدراسة في معهد الفنون الجميلة عام 1972 لدراسة الرسم، "ومن حسن حظي أن أول مدرس لي في المعهد كان الفنان الكوردي محمد عارف". كانت مخيلته محملة بحكايات كوردية وبألوان الأشجار والتمر والرمان والطين والسواقي، والتي ستشكل عنده مستقبلاً عالمه المتفرد.
الفنان التشكيلي الكوردي علي المندلاوي لا يرسم الأشياء، الوجوه، الجدران، الأشجار فحسب، بل هو يرسم الزمن.. يحول الزمن من الصمت إلى الحياة.. يمنحه حركة ليبقيه حياً وهو يرصد تفاصيله بدقة.
خلال وجوده في أربيل، قادماً من مقر إقامته في هولندا، التقته رووداو عربية اليوم الأربعاء، 24 حزيران 2026، في حديث عن مندلي وبغداد وصولاً إلى لندن ولاهاي وغيرها من المدن التي امتدت على جدران معارضها لوحاته.
سألناه بداية عن معنى أن يصل الفنان إلى العالمية منطلقاً من بيئته المحلية؟ قال: "الكثير من الفنانين انطلقوا من مدن أو قرى بعيدة جداً ووصلوا إلى العالمية من خلال أعمالهم الفنية.. العمل الفني هو الميزان، والعالم أصبح قرية صغيرة، وأن تتمسك بالمحلية لا يعني أن تبقى بحدود مكانك.. هذا ما حدث معي مثلاً، فأنا وصلت إلى بغداد من قرية في مندلي، وأنهيت دراستي في معهد الفنون الجميلة ثم أكاديمية الفنون الجميلة، وخلال دراستي كنت أعمل رساماً في مطبوعات الأطفال (مجلتي) و(المزمار)، قبل أن تأتي الكاتبة والمترجمة أمل الشرقي وتؤسس دار ثقافة الأطفال، حيث كانت أول مدير عام للدار، ومن هناك فُتحت أمامي فرص العالمية".

يضيف المندلاوي: "كنت قد تلقيت دعوة لمعرض بولونيا الدولي في إيطاليا لرسوم مطبوعات الأطفال، وكان هناك جناح للفنانين العرب إلى جانب أشهر رسامي الأطفال العرب الذين كنت أتابعهم في صغري، مثل محيي الدين اللباد وغيره، وأنا مدعو ومشارك فيه كرسام للأطفال، وأيضاً كانت أعمالي مشاركة في جناح دار ثقافة الأطفال بحضور مديرتها العامة.. يعني كانت عندي مشاركة مزدوجة، وكانت هذه أول مرة أُدعى فيها وأشارك بمعرض عالمي ومهم مثل هذا، وكنت أصغر مشارك فيه، لهذا كنت أتجول بين أقسامه للاطلاع والتعرف على التجارب العالمية في رسوم الأطفال. وعندما عدت من جولتي في أقسام المعرض أخبرتني السيدة أمل الشرقي بأن هناك دار نشر إيطالية مهمة أُعجبت برسومي في كتاب (ابن الدب) المنشورة صوره على جدران الجناح، وأنهم طلبوني للعمل معهم. طبعاً كانت أعمالي معلقة على جدار الجناح العراقي، لكنني رفضت لأن مشروع دار ثقافة الأطفال في العراق كان مشروعنا، وهو مشروع متطور".
ونبّه إلى أن: "عمل وإبداع الفنان ونتاجه هو الطريق إلى العالمية، وفي وقتنا الحالي يمكن أن تصل إلى أي مكان في العالم من خلال عملك ووسائل الاتصال والمعارض والمهرجانات. إذا كانت للفنان بصمة ويستحق أن يصل فستكون الأبواب مفتوحة أمامه.. وهكذا وصلت أعمالي إلى أماكن كثيرة في العالم".
الفنان علي المندلاوي في أربيل لأغراض الاطلاع على صالات العرض التشكيلي لإقامة معرضه الشخصي القادم، قال:"سأعرض أعمالاً كبيرة، هي جزء مما اختزنته ذاكرتي الصورية في المرحلة العمرية ما بين 4 إلى 7 سنوات في مندلي.. هي قصة طفولتي في قرية (كبيري) الكوردية بمدينة مندلي، وفي هذه المرحلة حدثت أمور كثيرة جداً، أولها مقتل ابن عمي (فيلي) على يد الحرس القومي عام 1963، وهذا أقصى ما أتذكره وكان عمري 4 سنوات. وإحدى اللوحات تمثل مجلس الفاتحة الذي أقامه والدي في القرية على روح فيلي.. هذه الأعمال مذكراتي في تلك المرحلة العمرية وتتضمن أحداثاً حقيقية مثل قوافل الزوار التي كانت تصل بالباصات من كوردستان إيران، وهم أبناء عشيرتنا، وهي عشيرة (ملك شاه)، وهي جزء من عشيرة كبيرة (كلهور)، حتى اللهجة الفيلية التي نتحدث بها تسمى أيضاً (كلهورية)، وكانوا يأتون إلى بيتنا في القرية كونه أكبر بيت، وهناك لوحة تصور والدي وإخوتي وهم يستقبلون الضيوف والباص الخشبي الذي كان وسيلة النقل الوحيدة، وكيف يتحلق حوله الأطفال، وأنا موجود في اللوحة أنظر من وراء جذع نخلة كشاهد أو راصد لهذا الحدث".
مجموعة هذه اللوحات هي عبارة عن بانوراما لأحداث وحكايات وتاريخ بكل ما في القرية وأهلها من تفاصيل ينقلها المندلاوي بأسلوبه المتميز. هو هنا يحافظ على حياة يخشى عليها أن تُنسى، يرسمها ويلونها كجدارية تاريخية راسخة في ذهنه، لا يريدها أن تتبخر أو تتلاشى.
هناك ضمن هذه البانوراما: "حكاية أخي موسى، وكان نحاتاً مبدعاً وحفر بئراً وسط باحة البيت لشحة المياه، وذات يوم نزل إلى البئر ولم يخرج، أو هكذا اعتقدت وقتذاك، حتى أحشره في قصة شعبية كوردية يتداخل فيها الواقع والخيال والحلم، وأحوله إلى أمير رموا به إلى قعر البئر، وصار بطل الحكاية".
عن لوحات ذاكرة طفولته التي سيعرضها في معرضه بأربيل يقول المندلاوي: "بدأت برسمها في هولندا عام 1998، واشتغلت على بقية الأعمال سنوات طويلة، وكانت لوحة استقبال أبي لقوافل الضيوف هي الأولى، وشاركت بها بمعرض ضم أعمال 37 فناناً هولندياً، ولجنة التحكيم اختارت 3 لوحات فائزة كانت بينها لوحتي، وهذا ما شجعني لأن أستمر برسم بقية اللوحات وكتابة نص ومذكرات هذه الأعمال وتفاصيل أحداثها، وسيتم طبع كتاب مذكراتي خلال تلك السنوات وتوقيعه خلال المعرض".
وأوضح: "هذه الأعمال هي امتداد لتجربتي في الرسم للأطفال، وتأثيرات مدرسة الواسطي البغدادية، وتأثيرات معاصرة لبيكاسو وأنا معجب جداً بأعماله، وكذلك بأعمال ضياء العزاوي، وهو فنان مبدع كبير وصديق أعتز به كثيراً ومتابع لأعمالي في كتب الأطفال منذ زمن طويل، والتقينا مرات عديدة ويحتفي بي مشكوراً كلما التقينا.
وكذلك هناك تأثيرات المدرسة البغدادية واضحة، وهي تلغي المنظور والضوء والظل، مع أني استخدمت الضوء والظل في تجسيد الوجوه والتعبير عن مشاعر الشخوص".
يكشف الفنان علي المندلاوي قائلاً: "ستكون أعمال هذا المعرض آخر مشروع يربطني بالرسم للأطفال.. وكنت قد توقفت أيضاً عن رسم البورتريه منذ 4 سنوات بعد أن رسمت عشرات الوجوه الشهيرة.. كنت قد بدأت برسم البورتريه كاريكاتيراً للنجوم ولشخصيات عراقية وعربية وغربية معروفة منذ عام 1986 وعرضتها في معرض شخصي ببغداد".
وعن موقع العرض وفي أي صالة سيكون، يوضح المندلاوي: "سيكون بالتعاون مع شابة كوردية طموحة تعرفت عليها هنا في أربيل، حيث قامت بمبادرة حضارية وجريئة بإعادة إعمار وترميم بعض البيوت في محلة العرب التراثية مقابل القلعة، وبأسلوب معماري يحافظ على القيمة الفنية للبيت ويتناسب مع وظيفته الجديدة، حيث ستحول البيت الأول إلى أرشيف مهم، والثاني إلى صالة للعرض التشكيلي. وعرفت أن الفنان الكوردي صديقي سيروان باران سيقيم في هذه الصالة معرضه الشخصي القادم، وقد وقع اختياري على هذه الصالة، التي هي قيد الترميم، كموقع للمعرض، ونحن قيد الاتفاق حول الموعد".

يؤشر المندلاوي مسألة مهمة مفادها أن: "أربيل بحاجة إلى متحف للفن التشكيلي الكوردي المعاصر نجمع فيه أعمال الفنانين الكورد، ليس في العراق فقط بل في جميع أنحاء العالم. وهناك فنانون كورد مهمون وكبار جداً في أوروبا وأميركا والعالم العربي، أحدهم سيروان باران، وهو أحد الفنانين الكورد العالميين، وأن يكون هذا المتحف مركزاً للتعريف بالفن التشكيلي الكوردي وسوقاً له.. المدن الحضارية تُعرف بمتاحفها، وأربيل تحتاج أكثر من متحف".
عاد علي المندلاوي إلى مدينته، إلى جذوره الأولى وهو يحمل طموحات وأحلاماً خصبة، ولكنه فوجئ بالخراب الذي دمر مندلي، يقول: "تهديم مندلي وتخريبها كانت فاجعة.. في أول عودة لي بعد 2003 من إنجلترا كنت قد صحبت معي خبيراً يابانياً وذهبنا لتنفيذ مشروع من اقتراحي لبناء منتدى خدمي ثقافي اجتماعي لأهالي مندلي لاستعادة صحتهم النفسية وتقديم خدمات اجتماعية وغيرها، لكنني صدمت عندما وجدتها عبارة عن خراب كامل.
كانت مندلي عبارة عن غابات متداخلة وفيها أكثر من مليون نخلة، وتمورها مميزة عن بقية تمور العراق بطعمها، وهي مشهورة أيضاً ببساتينها التي كانت عامرة بأشجار الرمان، ورمانها مشهور باعتباره الأطيب، لكنها للأسف تحولت خلال الحرب العراقية الإيرانية إلى حقول ألغام.. كل الفردوس الذي عشته في طفولتي تحول إلى أطلال.. كل المقاهي والحمام الشعبي والدكاكين وسوق القماش والأزقة راحت.. لهذا عدت من مندلي وأنا مصاب بخيبة أمل كبيرة ولم أستطع إنجاز أي شيء".
رسم الفنان علي المندلاوي أكثر من 40 كتاباً للأطفال ورسوم (كومكس) في (مجلتي) ومجلة (العربي الصغير) الكويتية، وله تجربة مع مجلة أطفال كوردية في أربيل، يتحدث عنها قائلاً: "كانت هناك مجلة كوردية للأطفال في أربيل (هانك) من إصدار وزارة الثقافة في حكومة إقليم كوردستان، والوزير فلك الدين كاكائي (رحمه الله) طلب أن أضع تصميم (موكيت) جديد لها، لكن وزارة المالية لم توافق على الميزانية لأن ارتباط وزارة الثقافة وقت ذاك مالياً كان مع وزارة المالية مباشرة، وتوقف المشروع، لكننا عملنا مهرجاناً عالمياً للأطفال الكورد وقتذاك، ضم أطفالاً من جميع مدن إقليم كوردستان وأطفالاً كورداً من بغداد وقنديل، كما دعونا أطفالاً كورداً من ألمانيا والسويد وجمعناهم في مخيم واحد".


