رووداو ديجيتال
اتفق المشاركون في ندوة "الرهانات الطاقية والمائية في إفريقيا والمشاريع الاستراتيجية.. نحو جغرافيا سياسية جديدة"، التي شكلت الندوة الأولى ضمن فعاليات الدورة الخريفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي الـ47، على أن النهوض بأوضاع القارة السمراء، ورفع التحديات على المستويين الطاقي والمائي، يظل رهيناً بتعزيز مسار اندماج جهوي حقيقي، وتعبئة الإرادات السياسية الصادقة الكفيلة ببناء مستقبل مستدام ومزدهر للأجيال الإفريقية المقبلة.
وأجمعت مختلف المداخلات على أن إفريقيا تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي وحاسم؛ فهي من ناحية تزخر بمؤهلات طبيعية وبشرية وجيوسياسية هائلة، ومن ناحية أخرى لا تزال تواجه تركة ثقيلة ومعقدة من التحديات البنيوية، كالفقر، والهشاشة المؤسساتية، وضعف البنيات التحتية الأساسية، فضلاً عن الاختلالات البنيوية في منظومة الحكامة الرشيدة، وهو الأمر الذي يحد بشكل ملحوظ من قدرة عدد من دول القارة على تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها وتبني سياسات تنموية شاملة ومستدامة، مما يستدعي انخراط دول القارة في تطوير رؤى مندمجة قائمة على تنويع الشراكات، وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وترويج نماذج تنموية متكاملة.

تشابك الرهانات
أبرز حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، أن السياق الدولي الراهن يشهد إعادة تشكيل متسارعة وجذرية لموازين القوى العالمية، تتصاعد في ظلها المنافسة الجيوستراتيجية المحتدمة بين القوى الكبرى حول امتلاك الموارد الطبيعية، والسيطرة على طرق التجارة الدولية، وتوسيع مجالات النفوذ الحيوي.
وأوضح البطيوي أن التطورات الجارية تحدث في بيئة عالمية استثنائية ومأزومة، يطبعها التغير المناخي الحاد، وتزايد الضغط الممنهج على الموارد المائية والطاقية الحيوية، إلى جانب استمرار اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
وشدد البطيوي على أن نجاح أي دينامية تنموية حقيقية في القارة يعتمد أساساً على توفر الاستقرار السياسي، وجودة الحكامة، والتنسيق الإقليمي الفعال، وتعزيز القدرات البشرية وتأهيلها.
وبالتوازي مع ذلك، يضيف البطيوي، تفرض قضية الماء نفسها كرهان استراتيجي بامتياز؛ إذ في ظل التغير المناخي المستمر، والنمو الديمغرافي المتسارع، والتوسع الحضري المضطرد، يبقى الأمن المائي عاملاً حاسماً في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؛ ما دام الولوج المستدام إلى الموارد المائية هو الذي يحدد بدقة مقومات الأمن الغذائي، وإنتاج الطاقة، وتطور القطاع الفلاحي، والإقلاع الصناعي المنشود.
ومن هذا المنطلق، يضيف البطيوي، نجد أنفسنا أمام تلاقٍ وثيق بين الرهانات الطاقية والمائية والتجارية واللوجستية، وهي رهانات تساهم حتماً في بروز جيوسياسية جديدة لإفريقيا، تتحول فيها الموارد والبنيات الأساسية وممرات الربط الاستراتيجية إلى أدوات فاعلة للنفوذ وإعادة صياغة الشراكات الدولية.

مواكبة
استحضر محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل المغربي، في كلمة تلاها بالنيابة عنه محمد بن يعقوب، الكاتب العام لقطاع الثقافة، الدور الريادي للراحل محمد بن عيسى في نجاح وتوهج موسم أصيلة، مشيداً بالمسارات المشرقة المنجزة، ومؤكداً ثقته في حاملي المشعل الجدد، وتشجيعهم ودعمهم لمواصلة العمل، مؤكداً حرص الوزارة على مواكبة الموسم نحو مزيد من العطاء الفكري والفني.
وتوقف طارق غيلان، رئيس المجلس البلدي لأصيلة، عند ما يمثله الموسم بالنسبة لأصيلة وأهلها، من زاوية الأثر الذي يتركه في الإنسان، وكيف أنه يبقى رافعة مهمة للاستثمار في العنصر البشري، مشيراً إلى أن موسم أصيلة استثمر منذ سنوات طويلة في أطفال المدينة، من خلال ورشات الإبداع وتمكينهم من الانفتاح على فنانين ومبدعين وثقافات مختلفة.
وشدد غيلان على أن هذا الإرث يضع على عاتق جماعة أصيلة مسؤولية كبيرة، تتمثل في المحافظة على الهوية الثقافية التي صنعت تميز المدينة، والعمل على تطويرها وتحويلها إلى قوة تنموية، مبرزاً أن المدينة راكمت على مدى عقود رأسمالاً ثقافياً ورمزياً استثنائياً، داعياً إلى تضافر الجهود من أجل تحويله إلى رافعة لتنمية المدينة.
فرص وتحديات
قالت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة بالمغرب، في كلمة ألقاها نيابة عنها محمد أوحميد، الكاتب العام (وكيل) للوزارة، إن إفريقيا توجد اليوم في صلب معادلة التحولات الطاقية والجيوسياسية العالمية، بالنظر إلى ما تزخر به من ثروات طبيعية هائلة، ومعادن استراتيجية فريدة، وطاقات متجددة واعدة؛ غير أن هذا الوضع المتميز يطرح، في الوقت ذاته، تحدياً مزدوجاً يتمثل في ضرورة ضمان الولوج العادل إلى طاقة موثوقة ومستدامة وبأسعار معقولة ومناسبة لعموم المواطنين، مع مواكبة وتيرة النمو الاقتصادي والديموغرافي المتسارع، في ظل استمرار عدد من الدول الإفريقية في مواجهة عجز ملحوظ على مستوى البنيات التحتية، ومحدودية قدرات الإنتاج والنقل، وصعوبة توفير التمويلات المالية الكفيلة بإنجاح هذه الأوراش الكبرى.
ولمواجهة هذه الإكراهات الهيكلية، جرى التأكيد صراحة على أهمية تحقيق توازن دقيق ومدروس بين الأمن الطاقي، والتنمية الصناعية، وخفض الانبعاثات الكربونية، مع ضرورة تثمين الموارد الطبيعية كالغاز الطبيعي والمعادن الاستراتيجية.
كما تم التشديد بإلحاح على أن تعزيز الاندماج الطاقي الجهوي، وتطوير شبكات الربط الكهربائي البيني، وتشجيع الاستثمارات والشراكات التكنولوجية المتقدمة، يمثل جزءاً لا يتجزأ من الحلول الاستراتيجية المطلوبة لضمان مستقبل طاقي مزدهر.

انفتاح دولي مدروس
من جهته، دعا رومانو برودي، رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق والرئيس الأسبق للمفوضية الأوروبية، إلى ضرورة أن يتم اندماج إفريقيا في إطار انفتاحها المدروس والواعي على العالم الخارجي، معتبراً أن القارة لا يمكنها أن تعيش بمعزل عن محيطها الدولي ومتغيراته.
ولتحقيق هذه الغاية، يصبح لزاماً جذب الاستثمارات الأجنبية الكفيلة وتطوير التبادل الاقتصادي، إلى جانب اكتساب التكنولوجيا الحديثة وبناء الكفاءات والمهارات البشرية القوية، وهو مسار تنموي تعيق تحقيقه أحياناً الانقسامات الإفريقية البينية وغياب الاندماج السياسي الحقيقي بين دول القارة.
ونبه برودي إلى خطورة تباين استراتيجيات ومصالح القوى الدولية الفاعلة في إفريقيا، داعياً الأفارقة إلى بلورة تدابير ومقاربات مضادة تحمي مجتمعاتهم وتصون مصالحهم الحيوية، مع إعادة النظر في طبيعة العلاقات الأوروبية الإفريقية التي تعاني بدورها من غياب رؤية شاملة وموحدة.
وركز ميغيل أنخيل موراتينوس، وزير الخارجية الإسباني الأسبق ووكيل الأمين العام للأمم المتحدة والممثل السامي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، على محورية الموارد الطبيعية في صياغة التحولات الجيوسياسية الراهنة، مشدداً على أن تأمين مصادر الطاقة يعد شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية الشاملة.
وأشاد موراتينوس بنجاح نماذج التعاون الثنائي والتضامني الميداني لمواجهة الأزمات الطاقية الطارئة، مستحضراً التعاون الإيجابي والقائم بين المغرب وإسبانيا في هذا المجال الحيوي.
مفارقات مناخية
استهل موسى فقيه محمد (تشاد)، الرئيس السابق لمفوضية الاتحاد الإفريقي، مداخلته بالإشادة الكبيرة بالمبادرة الأطلسية الرائدة للملك محمد السادس، الرامية إلى فك العزلة عن دول الساحل والصحراء وتعزيز الاندماج المشترك، منتقداً، في الوقت ذاته وبشدة، غياب أو نقص الإرادة السياسية اللازمة للتضامن والتقاسم القاري رغم وفرة الموارد الطاقية والمالية.
ودعا عبد الكريم فوفانا، وزير التجارة والاستهلاك والمقاولات الصغيرة والمتوسطة بالسنغال سابقاً، إلى تغليب لغة الجغرافيا ومصلحة الشعوب وتجاوز الخلافات السياسية البينية الضيقة، مستحضراً برمزية عالية جمال الأنهار الإفريقية التي تجري متحررة من قيود الحدود المصطنعة.
وتوقف سيدي محمد ولد بوبكر، الوزير الأول الموريتاني الأسبق، عند مفارقة صارخة تتمثل في كون القارة الإفريقية تساهم بنسبة ضئيلة جداً ولا تُذكر في انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية، بينما تتحمل أثقل التكاليف والتداعيات المناخية المدمرة، كالجفاف والفيضانات وتراجع الزراعة وظاهرة الهجرة، فضلاً عن حرمان أكثر من 600 مليون إفريقي من أبسط مقومات الكهرباء، محذراً من استمرار نموذج تصدير المواد الأولية الخام دون إرساء أي قيمة مضافة محلية حقيقية.
ونبه حسن أبو أيوب، الوزير السابق وسفير المغرب لدى رومانيا، إلى خطورة ضغط المديونية الخارجية التي تفوق بكثير 165 مليار دولار، وعجز نحو 20 بلداً إفريقياً عن سداد ديونها، متسائلاً بعمق عن مدى جاهزية القارة، في أفق التزايد الديمغرافي المهول، لامتلاك إرادة الاندماج الحقيقي وإنتاج مؤسسات ديمقراطية ودبلوماسية قارية مؤثرة وفاعلة.
حكامة مؤسساتية
من جهته، أشار سيدي ولد التاه (موريتانيا)، رئيس مجموعة البنك الإفريقي للتنمية، إلى تواضع نسبة التجارة البينية الإفريقية، داعياً إلى تكثيف الاستثمارات الضرورية في البنى التحتية المتكاملة، ومستعرضاً، في السياق ذاته، جهود البنك الحثيثة الرامية إلى ربط 300 مليون إفريقي بشبكات الكهرباء بحلول عام 2030.
وأكد إلياسو ديكو، الوزير والمستشار الخاص لرئيس جمهورية إفريقيا الوسطى، حتمية التعاون المشترك لصالح الدول الحبيسة وغير المطلة على البحار لضمان تنميتها العادلة.
وشدد وزير الطاقة والمعادن المغربي السابق محمد بوطالب على ضرورة تحويل الممرات والمبادرات الاستراتيجية إلى فضاءات حقيقية منتجة للقيمة المضافة وفرص العمل للشباب، معتبراً أن نجاح التكامل الاقتصادي مرهون أساساً بالعنصر البشري وبناء المؤسسات الكفيلة بإدارته بحكمة.
ودعا محمد الحسن ولد لبات، وزير خارجية موريتانيا السابق، إلى اعتماد منهجية علمية مندمجة تتعامل مع مثلث الماء والطاقة والبيئة كوحدة متكاملة لا تقبل التجزئة، منتقداً، في الوقت ذاته، غياب نموذج تنموي إفريقي أصيل ومستشرف للمستقبل.
وأبرز فيكتور بورغيس، وزير الخارجية الأسبق للرأس الأخضر، أن القيادة الرشيدة تقترن بالضرورة بالأفعال الميدانية والممارسة السياسية البناءة، لا بالانقلابات وتقويض استقرار المؤسسات الدستورية، رافضاً منطق التداول الحكومي المتكرر دون أي تراكم إيجابي يفرغ الديمقراطية من محتواها الحقيقي.
وتحدث إدريس الكراوي، رئيس الجامعة المفتوحة بالداخلة (المغرب)، عن "الخطايا الثلاث للحكامة"، التي رأى أنها تعوق مسار إفريقيا اليوم، وتتمثل بوضوح في: غياب العمل المؤسساتي التراكمي، وضعف الفعلية والقدرة التأثيرية للسياسات العمومية على أرض الواقع، وسوء تدبير عامل الوقت في عالم رقمي متسارع ومتوحش لا ينتظر المترددين ولا يرحم البطء والتأخير.
ولا تُذكر في انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية، بينما تتحمل أثقل التكاليف والتداعيات المناخية المدمرة، كالجفاف والفيضانات وتراجع الزراعة وظاهرة الهجرة، فضلاً عن حرمان أكثر من 600 مليون إفريقي من أبسط مقومات الكهرباء، محذراً من استمرار نموذج تصدير المواد الأولية الخام دون إرساء أي قيمة مضافة محلية حقيقية.
ونبه حسن أبو أيوب، الوزير السابق وسفير المغرب لدى رومانيا، إلى خطورة ضغط المديونية الخارجية التي تفوق بكثير 165 مليار دولار، وعجز نحو 20 بلداً إفريقياً عن سداد ديونها، متسائلاً بعمق عن مدى جاهزية القارة، في أفق التزايد الديمغرافي المهول، لامتلاك إرادة الاندماج الحقيقي وإنتاج مؤسسات ديمقراطية ودبلوماسية قارية مؤثرة وفاعلة.



