تحدث رئيس إقليم كوردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، في جلسته الخاصة بمنتدى ميري في أربيل (11-13 أكتوبر) عن عملية السلام في تركيا والتغييرات التي تشهدها المنطقة بشكل عام، وأشار في سياق حديثه إلى حوار دار بينه وبين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في أحد لقاءاتهما في بدايات التحضير لعملية السلام السارية حالياً في تركيا: "لقد تغيرت الدنيا علينا كثيراً سيادة الرئيس، تخيل أننا وصلنا إلى مرحلة، من كان يعتقد أننا سنتمنى الشفاء العاجل لباخجلي!".
نعم، لقد وصلنا إلى هذه المرحلة عبر مسيرة نضالية طويلة في انتهاج سياسة واقعية والتفاعل مع التغييرات الحاصلة في العالم بشكل عام والشرق الأوسط بشكل خاص؛ سياسة خارجة عن المألوف، بحيث لا تكون النهاية هجرات جماعية ونزوحاً ومخيمات تنتظر الكورد، ولا مشانق مجهزة لقيادات الثورة والنضال الكوردي. نعم.. لقد تغيرت الدنيا علينا كثيراً كاك نيجيرفان!
في كتابه "التعاون مع العدو"، يطرح الكاتب الكندي، آدم كاهاني، فكرة أنه ليس ضرورياً أن نتفق على الماضي كي نتفاوض على المستقبل، لكن لا يمكن بناء سلام دائم إذا بقيت أسباب الصراع خارج طاولة الحوار.
وهنا تكمن معضلة الثقة: الدولة تريد ضمانات لإنهاء الصراع المسلح، والكورد يريدون ضمانات بألا يتحول إنهاء الصراع إلى نهاية للمطالب السياسية والحقوقية. فهل يمكن تجاوز هذه المعضلة بالمواعظ؟ أم لا بد من التزامات متبادلة، وخطوات متدرجة، وقواعد قانونية واضحة؟
التناغم الحالي بين الكورد والأتراك هو بالضبط ما يتحدث عنه كاهاني في كتابه، حيث إن التعاون لا ينتظر اختفاء الخلاف، بل يبدأ بإدارته. وقد لا تتساوى جميع المسؤوليات ويكون هناك اختلال في موازين القوة، ولكن في المقابل، إن بناء تفاهمات قابلة للتنفيذ بشكل تدريجي يملأ فجوة انعدام الثقة ويجعل العمل على المشتركات فعلياً.
شهدنا في العقود السابقة اتفاقيات عديدة في أجزاء كوردستان الكبرى، ولكنها كانت جميعها عبارة عن اتفاقيات أمنية مرحلية سرعان ما تحولت إلى مواجهات دامية.
لقد ناقشنا في اليوم الأول من منتدى ميري بأربيل في جلسة مغلقة قضية "حصر السلاح باسم الدولة.. من يتحدث باسم الدولة؟" في سوريا والعراق ولبنان. وما توصلت إليه النقاشات هو أن هذه الحالات المتفرقة تؤكد أن دمج الجماعات المسلحة ليس إجراءً عسكرياً أو ترتيباً أمنياً وإدارياً فحسب، بل لا بد من تأطيره في مسار سياسي ومؤسسي يرتبط بتوزيع السلطات وبناء الثقة بين الأطراف، وإعادة صياغة طبيعة العلاقة بين المركز والمكونات المحلية.
إذاً، السؤال هنا ليس فقط: من يتحدث باسم الدولة؟ بل أيضاً: من يشارك في تحديد معناها وهويتها، ومن يضمن أن تكون دولةً لجميع مواطنيها؟
بعدما انتهينا من النقاشات، انضم إلينا مستشار الرئاسة السورية، الجنرال مظلوم عبدي. وفي الجلسة التفاعلية معه، قال أكاديمي ودبلوماسي أردني سابق للسيد عبدي إنه فعل ما لا يجرؤ أحد على فعله، وهي الشجاعة والجرأة في اتخاذ القرار والعمل عليه: "لقد أنقذتَ حياة الآلاف من شعبك ووضعتَ حداً للدم، أنت شجاع!".
كان يمكن لمظلوم عبدي أن يسجل موقفاً بطولياً للتاريخ ويعزل نفسه وشعبه ويضع المنطقة أمام احتمالات غير متوقعة، ولكن ما الجدوى العملية لذلك بالنسبة لحياة الناس ومستقبل المنطقة؟
بالفعل، ما قام به الجنرال هو الشجاعة في التضحية، على عكس ما يُتناول بشكل سطحي بأنه تخلى عن مكانة القائد الكوردي واستلم منصباً في دمشق.
الزيارة الأخيرة للجنرال إلى أربيل واستقباله من قبل كافة القيادات الكوردية، من الرئيس مسعود بارزاني ورئاسة الحكومة ورئاسة الإقليم وقيادات السليمانية، أثبتت أن الكورد لا يسجلون مواقف درامية بطولية، بل إنهم فاعلون في السياسة الإقليمية والدولية ليحافظوا على ما حققوه في جبهات القتال ونضال السنوات الطويلة والتضحيات الكبيرة. لقد أثبت القادة الكورد أنهم سياسيون وليسوا أبطالاً دونكيشوتيين، بل إنهم خرجوا من الحالة الكوردية الكلاسيكية المتمثلة في قراءة القصائد على الأطلال وسرد مواويل الرثاء.
لقد حظي الجنرال بالدعم الكوردي الواضح والكبير في أربيل لما يفعله في سوريا ضمن عملية الاندماج، التي يمكن تحويلها إلى شراكة حقيقية لما يبديه الكورد من أداء سياسي وعلاقات دولية وحضور تنظيمي ومؤسساتي.
إذاً، ثمة تحوّل يتشكّل في المنطقة: مسار سلام في تركيا، وعملية دمج للكورد في سوريا، وتقارب بين أنقرة وبغداد وأربيل ودمشق، عنوانه المصالح والأمن والاقتصاد. فلم تعد الملفات الكوردية منفصلة، بل باتت تتقاطع في معادلة إقليمية واحدة.
الكورد اليوم فاعل متوازن في معادلة تغييرات الشرق الأوسط، وهم واعون تماماً بأن الاندماج لا يعني الذوبان والانصهار والتخلي عن الهوية القومية، بل هو شراكة فعلية ولا يعني التبعية، والسلام يمر عبر دسترة الحقوق وترسيخها في إطار قانوني واضح.
التقارب الإقليمي الذي نشهده اليوم من أنقرة إلى بغداد مروراً بأربيل والسليمانية وقامشلو وصولاً إلى دمشق، قد يفتح أبواباً للتعاون والتنمية، ولن تُدار هذه العلاقة إلا عبر الجغرافيا الكوردية والقادة الكورد الذين يثبتون فاعليتهم وتفاعلهم مع المتغيرات. لذا، يمكن القول بأن الحالة التي خلقها "منتدى ميري" في تقارب الخطاب الكوردي والقدرة على التكيف مع هذه الديناميكية من موقع الشراكة، رغم الاختلافات الحزبية والسياسية، هي تحوّل سياسي كبير.
ففي لحظات التحوّل الكبرى، لا يكفي أن نرفض فقط ويتم تصنيف الكورد في خانة المعارضة لإدارة هذه الدول الإقليمية؛ بل إن الإرادة السياسية تكمن في الوضوح في طرح أي مستقبل نريد أن نبنيه، ومع من، وأي ضمانات نسعى إلى تحقيقها.
"ميري" طرح القضية الكوردية في المنطقة من رؤية "كيف نحمي المكاسب؟" إلى "كيف نحوّل اللحظة الإقليمية إلى فرصة لترسيخ الحقوق القومية الكوردية والمساهمة في بناء دول أكثر استقراراً وعدالة؟".
في مقدمة كتاب "التعاون مع العدو" لآدم كاهاني، يكتب خوان مانويل سانتوس، الرئيس الكولومبي السابق والحائز على جائزة نوبل للسلام، كلمات تختصر درساً استخلصه من تجربته في إنهاء أكثر من خمسين عاماً من الصراع المسلح في كولومبيا: "لقد تعلمت حقيقة قاسية: أن السلام والتقدم والعدالة لا تصبح ممكنة إلا عندما نجد طرقاً للعمل مع من نختلف معهم، ولا نحبهم، ولا نثق بهم. هذا درس لا يرغب كثيرون في تعلمه، وعدد أقل يعرف كيف يمارسه".
ويقول أيضاً: "ليس علينا أن نتفق كي نمضي إلى الأمام؛ علينا فقط أن نكون مستعدين للمحاولة معاً".
الجغرافيا التي تجمعنا اليوم ليست ذاكرة واحدة، ولا هوية واحدة، ولا سردية واحدة. ففي هذه المرحلة الانتقالية التي نعيشها في سوريا، لا بد من العمل على الشراكة وإدارة التنوع في إطار قانوني واضح. والقضية ليست كيف نقنع الآخرين بأنهم على خطأ، بل الإجابة على السؤال: هل نريد سوريا التي تشبهنا نحن كلٌّ على حدة، أم التي تتسع لنا جميعاً؟



