رووداو
ديحيتال
لا تقاس قدرة
الحكومات على الإنجاز بعدد القرارات التي تعلنها، بل بقدرتها على تحويلها إلى
نتائج ملموسة في حياة المواطنين، وفي العراق تتقاطع اليوم ملفات سياسية واقتصادية
وخدمية متعددة من استكمال الكابينة الوزارية إلى اضطراب سعر صرف الدولار وارتفاع
تكاليف المعيشة وصولا إلى مبادرة توزيع مليون قطعة أرض سكنية، وعلى الرغم من
اختلاف هذه الملفات في طبيعتها فإنها تلتقي عند سؤال واحد: كيف يمكن بناء الثقة
بين الدولة والمواطن في ظل اتساع الفجوة بين الوعود والاحتياجات اليومية؟.
سياسيا،
لايزال استكمال التشكيلة الوزارية يمثل اختبارا لقدرة القوى السياسية على تجاوز
خلافاتها وتقديم متطلبات الدولة على حسابات توزيع المناصب فبعد منح حكومة علي
الزيدي الثقة في أيار الماضي بقيت تسع وزارات من أصل ثلاث وعشرين دون وزراء مصوت
عليهم وسط خلافات بشأن المرشحين وتوزيع الحقائب واستمرار هذا التعثر لأشهر يثير
تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات على العمل بكامل طاقتها خصوصا في وزارات ترتبط مباشرة
بالأمن والتخطيط والخدمات.
ولا يتعلق
الأمر بمجرد استكمال أسماء في هيكل حكومي بل بمدى قدرة الحكومة على الانتقال من
إدارة الخلافات السياسية إلى تنفيذ برنامجها ومحاسبة المسؤولين عن نتائجه.
وتزداد أهمية
هذا الاختبار عندما ننتقل من أروقة السياسة إلى الأسواق حيث لا يتعامل المواطن مع
القرارات الحكومية بوصفها بيانات منفصلة بل يلمس آثارها في أسعار السلع وقدرته على
تلبية احتياجات أسرته وقد جاء تعديل سعر الصرف الرسمي للدولار في تشرين الأول
الجاري من ألف وثلاثمائة دينار إلى نحو ألف وخمسمائة وعشرين دينارا للدولار في ظل
ضغوط مالية واضطراب صادرات النفط المرتبط بالحرب الإقليمية.
وبينما يمنح
التعديل الدولة دنانير أكثر مقابل إيراداتها الدولارية فإنه يرفع في المقابل كلفة
الاستيراد ويضعف القدرة الشرائية إذا انتقلت الزيادة إلى أسعار السلع وهو ما يجعل
حماية الفئات محدودة الدخل ضرورة موازية لأي معالجة مالية.
وهنا تظهر
العلاقة بين الاستقرار السياسي والإدارة الاقتصادية فكلما تأخر حسم المسؤوليات
وتحديد الأولويات ازدادت أهمية وضوح القرار الحكومي وفاعلية المؤسسات المعنية
بمراقبة الأسواق وحماية المستهلك ولا يعني ذلك أن استكمال الكابينة وحده كفيل بحل
أزمة الأسعار أو أن سعر الصرف هو السبب الوحيد لغلاء المعيشة فهناك عوامل أخرى
تتصل بالاستيراد وكلفة النقل والإنفاق العام وبنية الاقتصاد، لكن تعدد الضغوط يجعل
التنسيق بين الوزارات والقدرة على اتخاذ قرارات متكاملة أكثر إلحاحا، لاسيما في
اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.
وفي مقابل
هذه التحديات، تبرز مبادرة توفير مليون قطعة أرض سكنية بوصفها اختبارا آخر لقدرة
الحكومة على تحويل الوعود إلى حلول واقعية لأزمة السكن ورغم إعلان تهيئة مائتين
وخمسة وسبعين ألف قطعة حتى الحادي عشر من تشرين الأول فإن أسئلة جوهرية مازالت
تتعلق بآليات التمليك والبيع والأسعار التي ستحددها الحكومة وشروط الدفع والتقسيط
والفئات المشمولة بالمبادرة.
فالمعيار لا
يكمن في عدد القطع التي يجري إعدادها بل في قدرة المواطن على امتلاكها فعليا وما
جدوى توفير الأراضي إذا كانت أسعارها أو شروط تسديدها تتجاوز إمكانات الكاسب
والموظف محدود الدخل؟. إن نجاح المبادرة يتطلب آلية واضحة وشفافة تراعي تفاوت
الدخول وتمنح الأولوية لمن لا يمتلكون سكنا حتى لا تتحول الأراضي المعلنة إلى
أرقام كبيرة في الخطاب الحكومي فيما تبقى فرصة امتلاك منزل بعيد المنال بالنسبة
إلى الشرائح التي يفترض أن تستفيد منها.
ومن هنا، لا
ينبغي النظر إلى استكمال الحكومة وسعر الصرف ومبادرة الأراضي بوصفها ملفات متنافسة
على الاهتمام، بل باعتبارها أجزاء من اختبار واحد يتعلق بكفاءة إدارة الدولة
فالحكومة مطالبة بحسم خلافاتها السياسية ومواجهة الضغوط الاقتصادية وتحويل
المشاريع الخدمية إلى نتائج قابلة للقياس كما أن نجاح مبادرة سكنية لا يعوض تراجع
القدرة الشرائية مثلما أن معالجة سعر الصرف لا تغني عن إصلاح الخدمات وتوفير فرص
العمل.
وفي المحصلة
يبقى التحدي أمام الحكومة العراقية أكبر من استكمال الكابينة أو احتواء ضغوط السوق
أو الإعلان عن مشاريع سكنية إذ يتعلق بقدرتها على تحويل هذه الملفات المتداخلة إلى
مسار واحد يستجيب لأولويات المواطنين فاستقرار المؤسسات ينبغي أن ينعكس على كفاءة
القرار الاقتصادي ومعالجة أعباء المعيشة يجب أن تترافق مع حلول سكنية قابلة للتحقق
لا أن تبقى هذه المسارات وعودا منفصلة تنتظر التنفيذ.
ومن هنا فإن
استعادة ثقة المواطن لا تتحقق بحجم الأرقام المعلنة بل بقدر ما تتركه القرارات من
أثر في حياته اليومية فبين حكومة تنتظر الاكتمال وأسواق ترهق الأسر ووعود سكنية
تنتظر آليات التنفيذ، تتحدد قيمة الإنجاز بقدرة الدولة على الانتقال من إعلان
النوايا إلى تحقيق النتائج وعند هذه النقطة تحديدا لن يكون السؤال كم وعدا أطلقته
الحكومة بل كم وعدا استطاعت أن تحوله إلى واقع.



