رووداو ديجيتال
في قاعة احتفالية مكتظة بالوجوه
الرسمية، وقف رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني ليلقي كلمة بدت في ظاهرها
مناسبة لحدث رسمي عادي، مؤتمر "يوم السيادة" ببغداد بمناسبة انتهاء مهام
التحالف الدولي. لكن من يقرأ النص بدقة سيجد أكثر من مجرد بيانات دبلوماسية وردية.
هنا توجد رسالة سياسية حادة، موجهة إلى بغداد والمحافل الدولية والمكونات العراقية
الأخرى، تحمل في طياتها تعريفاً جديداً للسيادة وأجندة واضحة لمرحلة انتقالية
حساسة.
الكلمة، في جوهرها، ليست احتفاء
بانسحاب القوات الأجنبية، بقدر ما هي استدعاء صارم لحسم ملفات عالقة ظلت تنزف
الدماء والموارد من جسد الدولة العراقية سنوات. وفيها، بين السطور، نقد غير مباشر
لكل طرف من الأطراف السياسية الرئيسية.
تعريف السيادة.. من الغياب إلى الحضور
حين عرّف نيجيرفان بارزاني السيادة في
كلمته، لم يكن يقدم درساً فقهياً أكاديمياً. بل كان يصحح مفهوماً مشوهاً ظل سائداً
في الخطاب العراقي. قال بوضوح: "السيادة لا تعني مجرد انسحاب القوات العسكرية
الأجنبية، بل هي مسؤولية وطنية متكاملة".
هذا التعريف يرفع السيادة من مفهوم
سلبي بحت — مجرد غياب الاحتلال الأجنبي — إلى مفهوم إيجابي تفاعلي. السيادة ليست
حالة فراغ، بل هي حالة ملء؛ ملء بمؤسسات قوية وقرارات ذاتية وقدرات حقيقية على
الدفاع والحماية.
لكن الأهم في هذا التعريف أن نيجيرفان
بارزاني وضع فيه شروطاً محددة لا تقبل المساومة. السيادة الحقيقية تعني، في نظره،
تطبيق الدستور والنظام الفيدرالي. تعني أن المؤسسات الدستورية — البرلمان والحكومة
والقضاء — هي المرجع والحاكم للجميع، بلا استثناء. وتعني، بالذات، أن يكون قرار
الحرب والسلام — أخطر القرارات — حكراً على السلطة الشرعية للدولة وحدها.
في هذا السياق، يبدو التعريف وكأنه
موجه مباشرة إلى أي قوة تحمل السلاح خارج الإطار الشرعي. إنه تأكيد على أن السيادة
الحقيقية تبدأ من احتكار الدولة للقوة، وتنتهي باحترام كل طرف للمؤسسات الدستورية.
النقد الضمني والمباشر
كلمة واحدة فقط تضم النقد الأكثر حدة
في الكلمة: "السلاح الخارج عن سلطة الدولة". قال نيجيرفان بارزاني بجرأة
واضحة إن " قوة العراق لا تكمن في السلاح الخارج عن سلطة الدولة، ولا في
التأزيم والاضطراب، بل تكمن قوة العراق في حل المشكلات عبر الحوار والتفاهم
المشترك".
لم يذكر الحشد الشعبي باسمه. لم يشر
بإصبع متهمة واضحة. لكن من يفهم السياقات السياسية العراقية يعرف تماماً أن هذه
الجملة موجهة بشكل مباشر إلى الميليشيات والقوات المسلحة خارج السيطرة الحكومية.
المفارقة اللافتة أن نيجيرفان بارزاني
لم ينسَ، في بداية كلمته، أن يشيد بتضحيات الحشد الشعبي في محاربة تنظيم داعش:
"الحشد الشعبي، إلى جانب جميع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، تشاركوا في
الدفاع عن هذا الوطن بدمائهم وتضحياتهم". لكن هذا الإقرار بالتضحيات لم يعدّل
من موقفه الأساسي: أي سلاح خارج السيطرة الحكومية هو تهديد للسيادة الحقيقية، مهما
كانت جهوده الماضية وتاريخه القتالي.
هنا تكمن الحنكة السياسية: الاعتراف
بالمساهمة، لكن الإصرار على الشروط. إنها طريقة لقول شيء واحد واضح: الماضي عظيم،
لكن المستقبل يتطلب شيئاً مختلفاً تماماً — شيئاً اسمه الدستور والسيادة الحقيقية.
استدعاء الملفات المعلقة
إذا كانت بداية الكلمة تحمل نقداً
ضمنياً، فإن وسطها يحمل استدعاء صريحاً لم يعد يحتمل أي غموض. قال نيجيرفان
بارزاني: "حان الوقت لحسم كافة المسائل العالقة داخل البيت العراقي، بدءاً من
العلاقات بين أربيل وبغداد، وصولاً إلى ملف السلاح وحقوق سائر المكونات، على أسس
دستورية وبإرادة وطنية عراقية خالصة، لا أن نتركها تتحول إلى أزمات تورّث للأجيال
القادمة".
هذه جملة لا تقبل التأويل. نيجيرفان
بارزاني لم يرقّع ولم يخيّط. وضع قائمة حسابات دقيقة. ثلاث ملفات أساسية:
الأول: العلاقات بين أربيل وبغداد
هذا أكثر من مجرد ملف؛ هو الملف الذي
يتضمن كل الخلافات الفيدرالية الأخرى — الموازنة، الصلاحيات، الموارد، حقوق
الأقاليم. سنوات من التوتر والمفاوضات العقيمة وإعادة التفاوض والمماطلة. نيجيرفان
بارزاني يقول: انتهت مهلة الانتظار.
الثاني: ملف السلاح
وهو ملف لم يعد خافياً على أحد حيث
توجد أسلحة بيد عشرات الفصائل والمليشيات والجماعات، خارج أي إطار حكومي. سلاح
ثقيل، ذخائر، صواريخ، أنظمة دفاع جوي. كل هذا في يد قوى لا تخضع للسلطة المركزية
بشكل كامل. نيجيرفان بارزاني يقول: هذا يجب أن ينتهي.
الثالث: حقوق المكونات
وهنا إشارة مباشرة إلى الأقليات —
المسيحيين والايزديين والتركمان والشبك وغيرهم — الذين ظلوا أثناء الحرب ضد داعش
يفقدون أراضيهم وممتلكاتهم وحقوقهم الأساسية، ولم يحصلوا بعد على تعويضات كافية أو
إعادة إعمار حقيقية.
لكن الملفت أن نيجيرفان بارزاني أضاف
شرطاً حاسماً: "على أسس دستورية وبإرادة وطنية عراقية خالصة". هذا الشرط
يستبعد بوضوح أي وساطة خارجية. لا إيران تفرض شروطها، لا تركيا تملي أجندتها.
نيجيرفان بارزاني يقول: هذا قرار عراقي، بين العراقيين، وفقاً للقانون العراقي.
استراتيجية العلاقات الدولية الجديدة
مع انسحاب التحالف الدولي، بدأت مرحلة
جديدة تماماً من العلاقات الدولية للعراق. نيجيرفان بارزاني، في كلمته، وضع تصوراً
واضحاً لما يجب أن تكون عليه هذه العلاقات. لم يرفع صوتاً ضد التحالف الدولي أو
الولايات المتحدة. بل شكرهم على دعمهم: "الولايات المتحدة والتحالف الدولي
وأصدقاؤنا وقفوا إلى جانبنا وقدموا لنا العون والمساعدة... نحن، جميع العراقيين،
نذكر ذلك جيداً ونثمّن دعمهم ومساندتهم".
لكنه وضع شرطاً واحداً مهماً:
"الامتنان الحقيقي ينبغي أن يتطور ليتحول إلى تحمّل المسؤولية الوطنية في
العراق". بعبارة أخرى، الشكر والتقدير لا يعني الاستمرار في الاعتماد. يعني
الاستقلالية والاعتماد على الذات.
ثم وضع المعادلة الجديدة: "مرحلة
الثقة بالنفس والاعتماد على قدراتنا الوطنية الذاتية". و"شراكة متوازنة
طويلة الأمد" بدلاً من العلاقة التقليدية بين الأقوى والأضعف. هذه الشراكة
ستكون في مجالات متعددة: الأمن والاقتصاد والاستثمار والطاقة والتعليم
والتكنولوجيا والدبلوماسية.
هنا تظهر رؤية نيجيرفان بارزاني
بوضوح: العراق الجديد لن يكون تابعاً لأحد، لكنه لن يكون معادياً للجميع. سيكون
شريكاً متكافئاً، يحترم نفسه ويحترمه الآخرون.
رسالة كوردستان للعراق
في الخاتمة، لخص نيجيرفان بارزاني
موقف إقليم كوردستان بجملة اختار ألفاظها بعناية: "نحن في إقليم كوردستان،
وكما كنا دوماً، سنظل عوناً وسنداً لكل خطوة من شأنها تعزيز سيادة العراق وأمنه
واستقراره".
هذه ليست جملة بسيطة. فيها إقرار صريح
بالالتزام بالعراق الموحد، بعد سنوات من التوترات والمطالبات الكوردية المتكررة
بالاستقلال والانفصال. نيجيرفان بارزاني يقول: لا، نحن ملتزمون بالعراق. لكن هذا
الالتزام له شروط.
الشرط الأول: "الحوار والتفاهم
استناداً إلى الدستور". لا حوارات غامضة خارج الإطار الدستوري. لا اتفاقات
ظهيرة. كل شيء يجب أن يكون واضحاً، دستورياً، مسجلاً.
الشرط الثاني: "ترسيخ التنسيق
والتعاون بين البيشمركة والجيش العراقي وكل صنوف القوات المسلحة والأجهزة
الأمنية". أي إعادة تنظيم حقيقية للبنية الأمنية الموحدة، بدلاً من التعايش
الحذر والتنسيق غير الفعال الذي ساد سنوات.
السياق الأوسع والرهانات الحقيقية
هذه الكلمة لم تأتِ من فراغ. تأتي في
سياق متفجر. انسحاب التحالف الدولي يترك فراغاً أمنياً وسياسياً ضخماً في العراق.
من سيملأ هذا الفراغ؟ هل ستتعاظم نفوذ الميليشيات والقوى غير الحكومية؟ هل ستحاول
إيران أن تفرض نفوذها بشكل أكبر؟ هل ستتمكن الحكومة الاتحادية من فرض سلطتها على
كامل الأراضي العراقية؟.
في هذا السياق القلق، تأتي كلمة
نيجيرفان بارزاني كمحاولة لوضع إطار واضح — إطار دستوري صارم لا يحتمل غموضاً أو
مرونة زائدة. هو يقول: لا يمكننا الدخول إلى هذه المرحلة الحساسة بدون وضوح دستوري
كامل.
هناك أيضاً بُعد إقليمي لا يمكن
تجاهله. الدول المجاورة — إيران وتركيا وسوريا والكويت — كل منها لها مصالح في
العراق. إيران ترغب في الحفاظ على نفوذها عبر الميليشيات. تركيا قلقة من حركات
كوردية مسلحة على حدودها. سوريا تخشى من الإرهابيين الفارين من العراق. نيجيرفان
بارزاني، من خلال تأكيده على "إرادة وطنية عراقية خالصة"، يضع خطاً أحمر
واضحاً: القرارات العراقية للعراقيين.
الأسئلة المعلقة
لكن بقي السؤال الأساسي: هل ستتحول
هذه الرؤية إلى واقع؟هل ستقبل الحكومة الاتحادية بهذه الشروط الدستورية الصارمة،
أم ستحاول التحايل والالتفاف؟ هل ستتنازل الميليشيات عن سلاحها، أم ستحاول
الاحتفاظ به تحت تسميات مختلفة؟ هل ستتجاوز الخلافات بين أربيل وبغداد بعد سنوات
من الجفاء؟.
هذه أسئلة لا تستطيع الكلمات الجميلة
— حتى لو كانت حكيمة وواعية كما كلمة نيجيرفان بارزاني — أن تجيب عليها. الإجابة
تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وقدرة على المساومة بحكمة، وجرأة على اتخاذ قرارات
صعبة.
ما قاله نيجيرفان بارزاني هو خريطة
الطريق. لكن المسير لايزال طويلاً وشائكاً وغير مؤكد.

.jpg&w=3840&q=75)

