في السياسة، لا تُقاس العلاقات الحقيقية بعدد الاجتماعات ولا تُختصر في بيانات التحالفات ومواسم الانتخابات. فبعض العلاقات تولد من رحم التاريخ وتقوى مع الزمن حتى تصبح جزءا من الذاكرة السياسية والاجتماعية للشعوب.
ومن هذا المعنى يمكن قراءة العلاقة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وتيار الحكمة ، علاقة ليست وليدة اللحظة ولا ابنة الاستحقاق الانتخابي الراهن، بل تمتد جذورها إلى عقود من التاريخ العراقي، حيث تركت مواقف الآباء أثراً ظل حاضراً في وجدان الأبناء. ولعل واحدة من أكثر تلك المحطات رسوخا تعود إلى المرجع الراحل السيد محسن الحكيم وموقفه المعروف الرافض لقتال أبناء الشعب الكوردي.
لم يكن ذلك الموقف مجرد تفصيل في سجل سياسي عابر، بل تحول مع الزمن إلى ذاكرة تستعيدها الأجيال ويعبّر عنها حضور اسم الحكيم في عدد من شوارع ومرافق إقليم كوردستان باعتباره رمزاً لموقف إنساني تجاوز حدود اللحظة السياسية. ثم مضت العلاقة عبر أجيال عائلة الحكيم من شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم إلى السيد عبد العزيز الحكيم وصولًا إلى زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم الذي يواصل بناء الجسور مع القيادة الكوردية مؤمناً بأن العراق لا يمكن أن يستقر إذا بقيت مكوناته تنظر إلى بعضها من خلف المتاريس السياسية.
تحمل زيارة السيد الحكيم إلى أربيل معنى يتجاوز اللقاء السياسي. إنها تذكير بأن السياسة في جوهرها ليست فن الانتصار على الآخر، وإنما فن القدرة على العيش معه وإدارة الاختلاف دون تحويله إلى خصومة دائمة. فالعراق بلد متعدد في تكوينه ولا يمكن أن يصبح موحدًا في إرادته إلا إذا تحولت التعددية من مصدر للقلق إلى عامل للقوة. ومن هنا تأتي أهمية العلاقة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وتيار الحكمة باعتبارها مساحة يمكن أن يلتقي فيها المختلفون على فكرة الدولة حتى وإن اختلفوا في تفاصيل الطريق إليها.
إن العلاقة بين بغداد وأربيل لا ينبغي أن تبقى أسيرة الملفات الإدارية والمالية، كون بعض الأزمات التي تبدو فنية في ظاهرها وتحمل بأعماقها أسئلة سياسية أكبر. وحين تعجز الأوراق عن فتح الأبواب يصبح الحوار السياسي ضرورة وحين تضيق المؤسسات بمساحات الخلاف يصبح التواصل بين أصحاب القرار جسرًا لحماية المؤسسات لا بديلا عنها. كما أن قيمة هذه العلاقة لا تختزلها صناديق الاقتراع. فالانتخابات لحظة زمنية، أما العلاقات التي تُبنى على الثقة والذاكرة والمصالح الوطنية المشتركة فهي أبعد من عمر دورة انتخابية واحدة . ففي عراق تتقاطع بين ثناياه الأزمات الداخلية مع عواصف الإقليم، تصبح الجبهة الوطنية أكثر حاجة إلى التماسك. فالخلاف السياسي طبيعي. أما أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة فذلك ما يهدد فكرة الدولة نفسها.
ولهذا، فإن الحزب الديمقراطي الكوردستاني وتيار الحكمة يمكن أن يمثلا جسراً وطنيا بين مساحتين سياسيتين واجتماعيتين .ليس لأنهما متطابقان، بل لأن قيمة الجسر تكمن أصلًا في أنه يصل بين ضفتين مختلفتين. فالعراق اليوم لا يحتاج إلى حزب يتفق معه الجميع ولا إلى زعيم لا يختلف معه أحد، بل يحتاج إلى عقل سياسي يؤمن بأن الاختلاف لا يعني العداء وأن التعدد لا يعني الانقسام وأن الحوار ليس ضعفاً، بل أحد أشكال القوة.
ختاماً، قد تكون أعظم وظيفة للسياسة العراقية اليوم هي أن تمنع اختلاف العراقيين من التحول إلى قطيعة وأن تجعل من تعددهم طريقًا إلى الدولة لا طريقا بعيداً عنها. ومن هنا يصبح التقارب بين الديمقراطي والحكمة أكثر من تفاهم سياسي. إنه محاولة لبناء جسر فوق أزمات السياسة مستعصية وملفات شائكة يمكن من خلاه الوصول ما بين الذاكرة والمستقبل، بين أربيل وبغداد، بين الاختلاف الذي لا مفر منه والوطن الذي لا بديل عنه.



