في السماء التي اعتادت أن تحتمي
بمظلّة التحالف، بدأ سؤالٌ ثقيل يحلّق: مَن سيبقى حين يرحل الحامي؟ يقترب الثلاثون
من أيلول، ويقترب معه موعدٌ قد يغيّر قواعد اللعبة في العراق. بغداد تريد دولةً تحتكر السلاح، وواشنطن تريد شريكاً يملك قرارَه،
وأربيل تنظر إلى السماء وتراقب ما بعد الرحيل. وخلف المشهد، عواصمُ تُمسك بخيوطٍ خفية، وفصائلُ تملك السلاح، ومنطقةٌ
لا تزال تعيش على حافة النار. فهل يكون انسحاب التحالف لحظةَ ولادةٍ جديدة
للدولة… أم لحظةَ سقوطٍ في فراغٍ لا يُرى؟.
نفتح الأبواب المغلقة، ونتتبع
خيوط المسيّرات من سماء أربيل إلى غرف القرار في بغداد وواشنطن وطهران وأنقرة. هذه ليست قصة انسحاب، إنها قصةُ مَن سيحكم السماء حين تنطفئ المظلّة.
عشرُ مسيّرات وسؤالٌ أكبر من
الانفجار
في تلك الساعات التي كان الليل
فيها يخيّم على أربيل، لم تكن السماء هادئة كما تبدو للعين. عشرُ مسيّرات محمّلة
بالمتفجرات دخلت المجال الجوي للمحافظة، قبل أن تتصدى لها دفاعات التحالف وتسقطها
بين الساعة 1:13 و3:31 فجراً، من دون تسجيل خسائر بشرية، وفق ما أعلنته الجهات المختصة
في الإقليم.
لكن المسألة ليست في عدد
المسيّرات وحده. ٳنما المسألة تكمن في أن هذه الطائرات الصغيرة حملت معها سؤالًا
بحجم دولة: ماذا سيحدث عندما تصبح السماء مسؤولية بغداد
وأربيل وحدهما؟.
ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية. ٲجل،
فالمسيّرة التي تسقط اليوم ليست مجرد جسم متفجر؛ إنها رسالة سياسية وعسكرية
واستخبارية. إنها تقول إن الحرب الحديثة لم تعد تحتاج إلى جيوش تعبر الحدود، ولا
إلى أرتالٍ تتحرك في الصحراء. يكفي جهاز صغير، ومسار محدد، وقدرة على تجاوز
الرادارات أو إرباكها، حتى يتحول الليل إلى جبهة. ولذلك فإن سقوط المسيّرات العشر
لم يغلق المشهد؛ بل فتحه.
الثلاثون من أيلول الموعد الذي
يراقبه الجميع
ثلاثون من أيلول 2026 ليس مجرد
تاريخ في صحيفة سياسية. إنه الموعد المعلن لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي
ضد داعش وإكمال انسحاب قواته من العراق، وهو موعد وصفته بغداد بأنه ثابت ونهائي،
وهنا تكمن المفارقة. نعم، فالانسحاب يأتي في الوقت الذي لا تزال فيه
أربيل تتعرض لتهديدات جوية، وفي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة مواجهة مفتوحة بين
الولايات المتحدة وإيران.
أي: أن التحالف يغادر في لحظة لا
تبدو فيها المنطقة وكأنها خرجت من الحرب، بل تبدو وكأنها دخلت نوعاً جديداً منها. لقد انتهى زمن داعش كتنظيم يسيطر على المدن، لكن لم ينتهِ زمن الصواريخ
والمسيّرات والحروب بالوكالة. وهنا يصبح السؤال: هل انتهاء المهمة العسكرية يعني انتهاء الحاجة إلى الشراكة الأمنية؟
فالجواب الأكثر عقلانية: لا. ذلك لٲن الذي يتغير هو شكل العلاقة، لا بالضرورة
ضرورتها.
التحالف يغادر لكن ماذا يترك
خلفه؟
هناك خطأ شائع في قراءة المشهد:
اختزال الانسحاب الأميركي في خروج الجنود فقط. الجندي جزء من المعادلة، لكنه ليس المعادلة كلها. هناك الرادار،
والاستخبارات، والإنذار المبكر، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والاستطلاع،
والقيادة والسيطرة، والتدريب، والخبرة التقنية. ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة ليس: كم جندياً سيغادر؟ بل: كم قدرة أمنية ستغادر معه؟ وهذه نقطة شديدة
الحساسية بالنسبة إلى أربيل.
فحتى التقارير التي تابعت
الانسحاب أشارت إلى إعادة تموضع أنظمة دفاع جوي أميركية، ومنها منظومات باتريوت،
في وقت كانت فيه المنطقة تواجه هجمات بالصواريخ والمسيّرات.
ومن هنا يجب ألا يُقاس الانسحاب
بعدد الجنود فقط، وإنما بما يسمى في الدراسات الاستراتيجية فجوة القدرات. فالفراغ الحقيقي لا يصنعه خروج الجندي؛ بل خروج القدرة التي لا يوجد من
يستطيع تعويضها.
أربيل المدينة التي تقع على خط
النار
لم تعد أربيل مجرد عاصمة لإقليم
يتمتع بحكم ذاتي. لقد أصبحت خلال السنوات الأخيرة نقطة تقاطع بين ملفات عديدة:
الولايات المتحدة، إيران، تركيا، بغداد، الطاقة، الأمن، المعارضة الإيرانية
الكوردية، والمصالح الدولية. ولهذا فإن أي صراع إقليمي يجد طريقه، بطريقة أو بأخرى،
إلى سمائها.
ومن هنا تظهر جغرافية أربيل
بوصفها جغرافية استراتيجية. فالإقليم يقع في منطقة لا تسمح له بأن يكون بعيداً عن
الصراع، لكنه في الوقت نفسه يحاول ألا يكون طرفاً فيه، وهذه هي المعضلة.
أربيل تريد أن تقول: لسنا ساحة
حرب. لكن الجغرافية تقول: قد تتحولون إلى ساحة حتى لو لم تختاروا ذلك. ومن هنا، تصبح حماية الإقليم ليست قضية عسكرية فقط، بل قضية سياسية
ودبلوماسية أيضاً.
الحرب تغيّرت والسلاح تغيّر معها
ٳن الحرب القديمة كانت تُقاس
بالدبابات والمدفعية والطائرات. أما الحرب الجديدة، فتقاس أيضاً بسرعة اكتشاف
الهدف، ودقة المعلومة، وقدرة الرادار، والحرب الإلكترونية، وسرعة القرار.
فالمسيّرة الرخيصة تستطيع أن تفرض على الدولة إنفاقاً هائلاً لاعتراضها. وهنا تظهر معادلة جديدة في الأمن: قد تكون كلفة الهجوم أقل كثيراً من كلفة الدفاع. وهذه إحدى أخطر سمات
حروب المسيّرات. فالخصم لا يحتاج دائماً إلى امتلاك قوة جوية تقليدية؛ يكفي أن
يمتلك قدرة على إنتاج تهديدات جوية رخيصة ومتكررة، ليجبر خصمه على استنزاف منظومته
الدفاعية.
وهذا ما يجعل بناء منظومة عراقية
حديثة للدفاع الجوي أمراً يتجاوز فكرة شراء الأسلحة. إنه يحتاج إلى منظومة وطنية
متكاملة للإنذار والاعتراض والقيادة والسيطرة.
المعضلة الأمنية تصل إلى أربيل
في العلاقات الدولية، هناك مفهوم
شهير يسمى المعضلة الأمنية Security
Dilemma فحين تشعر
دولة أو جماعة بأنها مهددة، تبدأ بتعزيز أمنها. لكن الطرف الآخر قد يقرأ هذا
التعزيز باعتباره تهديداً، فيعزز بدوره قدراته. وهكذا يبدأ سباق لا يريد أحد أن
يبدأه، لكن الجميع يواصلونه.
في العراق، تتخذ هذه المعضلة شكلاً
أكثر تعقيداً. بغداد تريد تعزيز سيادتها. والإقليم يريد ضمان أمنه. ٲما الفصائل تريد الاحتفاظ بقدراتها. وواشنطن تريد منع استخدام العراق
ضد مصالحها. ٲما إيران فتريد الاحتفاظ بعمق نفوذها. وتركيا تريد منع التهديدات
التي تمس أمنها.
وهكذا يصبح العراق نقطة تقاطع
لمخاوف أمنية متعددة. والنتيجة؟ نم، فكل طرف يبني أمنه، بينما يشعر
الطرف الآخر أن أمنه مهدد.
من احتكار السلاح إلى احتكار
القرار
هنا نصل إلى جوهر الرسالة الأميركية
للعراق. فالمشكلة ليست فقط: من يحمل السلاح؟ بل: من يقرر متى يُستخدم؟ وهذه أكثر
أهمية. فالدولة التي تمتلك السلاح لكنها لا تمتلك القرار
ليست دولة مكتملة السيادة. والدولة التي تستطيع إعلان انسحاب القوات الأجنبية،
لكنها لا تستطيع منع استخدام أراضيها لضرب دولة أخرى، تواجه سؤالاً صعباً حول معنى
السيادة. ولهذا فإن النقاش العراقي حول السلاح يجب أن ينتقل من اللغة السياسية
الحادة إلى مفهوم أكثر دقة: احتكار الدولة لقرار استخدام القوة.
وهذه الفكرة تنسجم مع ما تطرحه
دراسات مراكز الأبحاث الدولية عن التحدي الذي تواجهه الحكومة العراقية في إخضاع
الجماعات المسلحة لسلطة الدولة، مع وجود جماعات مرتبطة بأطر مختلفة داخل منظومة
الحشد الشعبي وخارج السيطرة الحكومية المباشرة بدرجات متفاوتة.
رسالة واشنطن السيادة لها ثمن
يمكن قراءة الرسالة الأميركية
للعراق من زاوية بسيطة: إذا كان العراق يريد إنهاء الوجود العسكري
الأجنبي، فهذا حق سيادي، لكن السيادة لا تعني فقط أن تقول للقوة الأجنبية: اخرجوا. ومن هنا، فٳن السيادة تعني أيضاً أن تقول للجماعات
المسلحة: لا حرب خارج قرار الدولة.
وتعني أن تستطيع بغداد حماية
أجوائها وأراضيها وقواعدها ومؤسساتها. وهنا تتقاطع قضية الانسحاب مع قضية السلاح.
فواشنطن لا تريد فقط مغادرة العراق؛ تريد أن تغادر وهي تعرف أن الدولة التي تتركها
خلفها قادرة على منع تحول العراق إلى منصة لضربها أو ضرب حلفائها. وهذه هي
المعادلة التي ستختبرها الأشهر المقبلة.
بغداد أمام امتحان الدولة
للمرة الأولى منذ سنوات، تجد
بغداد نفسها أمام فرصة تاريخية وخطر تاريخي في الوقت نفسه. فالفرصة هي أن تستعيد
الدولة مساحة أكبر من القرار الأمني. والخطر هو أن يؤدي الانسحاب، إذا لم ترافقه
ترتيبات مناسبة، إلى ظهور فراغ تستغله القوى المسلحة أو الإقليمية.
وهنا لا يكفي إصدار القوانين.
فالدولة لا تثبت قوتها بالنصوص فقط، بل بقدرتها على تنفيذها. وإذا استطاعت بغداد
أن تجعل قرار الحرب والسلم قراراً حكومياً، وأن توحد مؤسساتها الأمنية، وأن تطور
دفاعها الجوي، وأن تحافظ على علاقاتها الدولية، فإن الانسحاب يمكن أن يتحول إلى
لحظة استقلال استراتيجي. أما إذا حدث العكس، فقد يتحول إلى لحظة انكشاف استراتيجي.
أربيل والبيشمركة الامتحان الأصعب
بالنسبة إلى إقليم كوردستان،
القضية أكثر حساسية. فالبيشمركة أثبتت دورها في مواجهة داعش، وكانت جزءاً أساسياً
من المنظومة العسكرية التي قاتلت التنظيم. لكن مرحلة ما بعد داعش ليست نسخة من
المرحلة السابقة. فالتهديد الجديد أكثر تكنولوجية. والمسيّرات لا تواجهها الشجاعة
وحدها. إنها تحتاج إلى رادارات، وإنذار مبكر، ودفاع جوي، وحرب إلكترونية، وتنسيق
استخباري.
وهنا، يعود ملف إصلاح وتوحيد قوات
البيشمركة إلى الواجهة. فكلما كانت المؤسسة العسكرية أكثر توحيداً ومهنية، أصبح
الإقليم أكثر قدرة على إدارة مرحلة ما بعد التحالف.
وقد ازدادت المخاوف أخيراً بشأن
مستقبل الدعم الأميركي للبيشمركة في ظل الانسحاب، وهو ما جعل مستقبل القدرات
العسكرية الكوردية جزءًا من النقاش الأوسع حول اليوم التالي.
الفصائل العقدة التي لا تنسحب مع
الأميركيين
قد يغادر الأميركيون لكن الفصائل
لن تغادر. وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى. فإذا كان سبب الوجود العسكري الأميركي
قد ارتبط أصلًا بمحاربة الإرهاب ثم تطورت مهمته إلى شراكة أمنية، فإن خروج القوات
لا يعني اختفاء جميع مصادر التوتر؛ بل ربما تنتقل المعركة إلى سؤال داخلي: من يملك القوة داخل العراق؟.
بعض الجماعات قد تقبل بالاندماج
أو إعادة تنظيم العلاقة مع الدولة. وبعضها قد يرى أن السلاح جزء من مشروع سياسي
وأمني لا يمكن التخلي عنه بسهولة. ولهذا فإن نجاح الحكومة في إدارة هذا الملف
سيكون أهم من لحظة خروج آخر جندي أميركي.
واشنطن لا تخرج من الشرق الأوسط
وهنا يجب تصحيح واحدة من أكثر
القراءات انتشاراً: خروج القوات الأميركية من العراق لا يعني خروج
الولايات المتحدة من الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تستطيع تقليص وجودها في دولة، بينما تعيد توزيع
قواتها وقدراتها في دول أخرى. وهذا ما يجعل الانسحاب من العراق أقرب إلى إعادة
تموضع استراتيجي منه إلى اختفاء أميركي من المنطقة. ولهذا يجب ألا تقرأ بغداد أو
أربيل القرار الأميركي باعتباره فراغًا جيوسياسياً كاملاً.
السؤال الحقيقي هو: أين ستكون
القوة الأميركية بعد العراق ومن أي قواعد ستعمل؟ وكيف ستستمر في مراقبة إيران؟
وكيف ستدير ملفات الخليج وسوريا وشرق المتوسط؟ وهذه الأسئلة تجعل العراق جزءاً من
إعادة رسم أوسع للوجود الأميركي.
إيران بين الردع والضغط
من الطبيعي أن تنظر طهران إلى
خروج التحالف من العراق بوصفه تطوراً استراتيجياً مهماً، لكن إيران نفسها تخوض
مواجهة واسعة مع الولايات المتحدة، وقد شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً شمل ضربات أميركية
على مواقع إيرانية وردوداً إيرانية بالصواريخ والمسيّرات على مواقع في المنطقة،
بما فيها العراق. ولهذا فإن أربيل لا تقرأ الانسحاب في فراغ. إنها تقرأه داخل صراع
إقليمي أوسع.
والرسالة الإيرانية، إن نظرنا
إليها من زاوية الردع، تقوم على فكرة أن الضغط على المصالح الأميركية وحلفائها
يمكن أن يرفع كلفة المواجهة، لكن هذا السلوك نفسه قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة: دفع بغداد وأربيل إلى البحث بصورة أسرع عن منظومات دفاعية وسياسية أكثر
استقلالاً.
تركيا الجار الذي يراقب السماء
تركيا لها حساباتها الخاصة. فهي
لا تنظر إلى العراق من زاوية الصراع الأميركي الإيراني فقط. والأمن الحدودي، حزب
العمال الكوردستاني، أمنها القومي، التجارة والطاقة، وعلاقتها مع بغداد وأربيل،
كلها ملفات تدخل في حساباتها. ولهذا فإن أي فراغ أمني في شمال العراق لن يكون شأناً
كوردياً أو عراقياً فقط، سيكون شأناً تركياً أيضاً. ومن هنا، يمكن أن تتحول مرحلة ما بعد التحالف إلى اختبار للعلاقات
الثلاثية: بغداد – أربيل – أنقرة.
فكلما استطاعت بغداد وأربيل بناء
منظومة أمنية مستقرة، قلت مساحة التدخل الخارجي، وكلما اتسع الفراغ، زادت شهية
القوى الإقليمية لملئه.
أوروبا والخليج الأمن بلا احتلال
أوروبا لا تريد عراقاً جديداً
ينهار أمنياً، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لإعادة إنتاج الوجود العسكري
الكبير الذي عرفه العراق في مراحل سابقة. أما دول الخليج، فتنظر إلى العراق من
زاوية مختلفة أيضاً: الطاقة، الملاحة، الاستقرار، والصراع الإيراني
الأميركي.
كل صاروخ أو مسيّرة في العراق
يمكن أن تكون لها انعكاسات على أسواق الطاقة وحركة التجارة وأمن الخليج. وهكذا
يصبح استقرار العراق مصلحة تتجاوز حدوده. أما روسيا والصين، فهما تراقبان المشهد
من زاوية أخرى: من يملأ الفراغ؟.
فكلما انخفض الوجود الأميركي
المباشر، اتسعت مساحة المنافسة الدبلوماسية والاقتصادية والاستراتيجية للقوى
الأخرى.
ثلاث فقرات يجب ألا تُفهم خطأ:
أولًا: الانسحاب من العراق ليس
انسحاباً أميركياً من المنطقة. هذه نقطة أساسية. الولايات المتحدة تعيد توزيع
ثقلها العسكري والاستراتيجي، ولا تختفي من الشرق الأوسط. لذلك فإن قراءة الانسحاب
بوصفه "نهاية أميركية" ستكون قراءة ناقصة.
ثانياً: الدفاع الجوي هو العقدة
الصامتة. فما جرى فوق أربيل في 2 أيلول كشف بصورة درامية
قيمة المنظومات التي استطاعت اكتشاف واعتراض عشر مسيّرات. وفي المقابل، تحدثت
تقارير عن إعادة تموضع منظومات باتريوت قبل اكتمال الانسحاب. لذلك فإن العراق لا
يحتاج فقط إلى شراء منظومات، بل إلى بناء شبكة دفاع جوي وطنية متكاملة تربط
الرادار بالإنذار والقيادة والسيطرة والاعتراض.
ثالثاً: الانسحاب نفسه قد يكون
اختباراً للدولة. إذا
استطاعت بغداد أن تمنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات الآخرين، وتفرض قرار
الدولة على السلاح، وتحمي أجواءها، وتحافظ في الوقت نفسه على الشراكات التدريبية
والاستخبارية والتكنولوجية، فإن 30 أيلول قد يصبح تاريخاً لانتقال العراق من "الدولة
التي تحتاج إلى مظلة" إلى "الدولة التي تصنع مظلتها". أما إذا
عجزت، فسيصبح التاريخ نفسه بداية لمرحلة من الفراغ.
الإعلام حين تصبح السماء شاشة
لم تعد الحرب تُخاض في السماء
وحدها، إنها تُخاض على الهاتف. فصورة المسيّرة، مقطع الاعتراض، خبر الانفجار،
تصريح سياسي، تغريدة، فيديو قديم، معلومة مجهولة المصدر… كلها أصبحت أسلحة في حرب
الرواية.
وهنا تظهر نظرية حرب السرديات Narrative Warfareمن يقول: إن أربيل ضعيفة، يريد أن يزرع الخوف، ومن يقول:
إن العراق أصبح آمناً تماماً، قد يريد صناعة وهم. ومن يقول: إن الانسحاب انتصار
كامل، يتجاهل التعقيدات. ومن يقول: إنه كارثة كاملة، يتجاهل قدرة الدولة العراقية
على التطور. الحقيقة تقع في مكان أكثر تعقيداً: العراق أمام فرصة، لكنه أمام خطر أيضاً.
ثلاثة طرق بعد الرحيل
يمكن اختصار مستقبل أربيل والعراق
في ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: الانتقال الذكي،
ينسحب الوجود العسكري المباشر، لكن تبقى شراكة في التدريب والاستخبارات
والتكنولوجيا والدعم الأمني. وهذا أفضل السيناريوهات.
السيناريو الثاني: الفراغ، ينسحب
التحالف، ولا تكون القدرات البديلة قد اكتملت. وهنا تصبح المسيّرات والصواريخ أكثر
خطورة، وتزداد قدرة القوى غير الحكومية على فرض معادلاتها.
السيناريو الثالث: الدولة الصاعدة،
وهو السيناريو الأكثر طموحاً: انسحاب أجنبي + توحيد المؤسسات الأمنية + احتكار
الدولة للسلاح والقرار + دفاع جوي حديث + شراكات دولية جديدة. عندها لا يكون الانسحاب نهاية شيء، بل بداية شيء.
الخطأ الأكبر الاختيار بين واشنطن
وبغداد
ربما يكون أكبر خطأ سياسي هو وضع
أربيل أمام خيارين: إما واشنطن… أو بغداد. فهذه معادلة خاطئة. وٳن المستقبل الأكثر استقراراً للإقليم لا يقوم على اختيار عاصمة ضد
أخرى، بل على بناء مثلث: أربيل قوية مؤسسياً + بغداد قوية سيادياً +
شراكة دولية متوازنة.
نعم، فأربيل لا تحتاج إلى مظلة
أجنبية دائمة. وبغداد لا تحتاج إلى عودة العراق إلى زمن الوصاية. لكن كليهما يحتاج
إلى شراكة دولية ذكية تحفظ الأمن، وتنقل التكنولوجيا، وتدعم المؤسسات، دون أن تحول
العراق إلى ساحة دائمة للقوى المتصارعة، وهنا تتحول السيادة من شعار إلى ممارسة.
حين يرحل الجندي يبدأ امتحان
الدولة
ربما يكون المشهد الأكثر إثارة في
هذه القصة أن لحظة الرحيل ليست هي النهاية، إنها البداية. فعندما يغادر آخر جندي،
لن تختفي المسيّرات من السماء، ولن تختفي إيران، ولن تختفي تركيا، ولن تختفي
الفصائل، ولن تختفي المصالح الأميركية، ولن تختفي الجغرافية التي جعلت العراق منذ
عقود ساحةً لتقاطع القوى، لكن شيئاً واحداً سيتغير: ستصبح مسؤولية الدولة أكبر.
ومن هنا، فإن مستقبل أربيل لن
يحدده عدد الجنود الذين غادروا، وإنما عدد المؤسسات التي استطاعت أن تقف على
قدميها بعد الرحيل. فلن يحمي السماء جندي أجنبي إلى الأبد. والسماء في النهاية
عراقية، لكن حماية السماء العراقية تحتاج إلى دولة عراقية تعرف من أين يأتي الخطر،
ومن يملك السلاح، ومن يملك القرار، ومن يملك القدرة على الرد.
وبقي ٲن نقول: من يحمي السماء؟ نعم،
ففي النهاية، لم تكن المسيّرات العشر التي سقطت فوق أربيل مجرد طائرات صغيرة تحمل
المتفجرات. ٳذ كانت أشبه برسائل وصلت إلى الجميع في ليلة واحدة. رسالة إلى أربيل: المرحلة المقبلة ستكون أصعب. ورسالة إلى بغداد: السيادة ليست بياناً سياسياً. ورسالة إلى واشنطن: الانسحاب لا يعني انتهاء المسؤولية. ورسالة إلى الفصائل: السلاح الذي لا يخضع لقرار الدولة سيبقى سؤالاً
مفتوحاً. ورسالة إلى العواصم الإقليمية: العراق لم يعد
يقبل بسهولة أن يكون ساحة الآخرين.
وربما كانت الرسالة الأكبر
للعراقيين جميعاً: ٳن المظلة الأجنبية مهما طال بقاؤها لا يمكن أن
تكون وطناً. فالتحالف يستطيع أن يسقط المسيّرة، لكنه لا يستطيع أن يبني الدولة بدلاً
من أهلها. وأميركا تستطيع أن توفر الرادار، لكنها لا تستطيع أن تمنح العراق
السيادة نيابة عنه. والبيشمركة تستطيع أن تدافع عن الأرض، لكنها تحتاج إلى مؤسسة
حديثة تحميها وتوحد قرارها. وبغداد تستطيع أن تطالب باحتكار السلاح، لكنها مطالبة
أولًا بأن تجعل الدولة قادرة على حماية من يعيش تحت سمائها.
لهذا فإن 30 أيلول ليس يوماً يخرج
فيه الأميركيون فقط. إنه اليوم الذي يبدأ فيه السؤال الحقيقي:هل يستطيع العراق أن
يصبح مظلته بنفسه؟ فإن نجح، سيكون الرحيل بداية سيادة، وإن فشل، فلن يكون الفراغ
في القواعد فقط بل في السماء. وهنا، ربما تبدأ الحكاية الحقيقية لأربيل
والعراق: حين ترحل المظلّة ويبقى على الدولة أن تتعلم كيف تحمي السماء.



.webp&w=3840&q=75)