في زمنٍ تزداد فيه الجدران
السياسية ارتفاعاً، وتضيق فيه مساحات الحوار بين واشنطن وطهران، برزت أربيل
كمساحةٍ قادرة على فتح نافذة في جدار الأزمة، وبرز رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان
بارزاني، بوصفه أحد أكثر الشخصيات قدرةً على حمل الرسائل بين طرفين يصعب عليهما
الحديث مباشرة.
بحسب ما أورده تقرير "أكسيوس"
عن التحركات الدبلوماسية السرية، لجأت الإدارة الأميركية إلى رئيس اقليم كوردستان
نيجيرفان بارزاني لفتح قناة تواصل مع الجانب الإيراني، في لحظة وصلت فيها
المفاوضات إلى مرحلة من التعقيد وانعدام الثقة. ولم تكن أهمية الخطوة في مجرد نقل
رسالة من عاصمة إلى أخرى، بل في اختيار الشخص الذي يمكن أن تحمل رسالته وزناً لدى
الطرفين.
هنا تظهر قيمة الوسيط الموثوق.
ففي الأزمات الكبرى، لا تكون المشكلة دائماً في غياب الرغبة بالحل، بل في غياب
الطرف القادر على اختبار هذه الرغبة دون أن يدفع أصحابها ثمناً سياسياً علنياً.
ومن هذه الزاوية، تبدو أربيل أكثر
من مجرد مكان جغرافي. إنها نقطة تقاطع بين مسارات سياسية وأمنية وثقافية متشابكة.
أما نيجيرفان بارزاني، فيتحرك داخل هذه المساحة بوصفه سياسياً يعرف واشنطن، ويفهم
طبيعة المنطقة، ويمتلك قنوات اتصال مع طهران، الأمر الذي يمنحه قدرة على أداء دور
لا تستطيع العواصم المتخاصمة أداءه مباشرة.
إن جوهر القوة هنا ليس في امتلاك
السلاح، ولا في رفع سقف الخطاب السياسي، بل في امتلاك الثقة حين يفقد الآخرون
الثقة.
فالسياسة، في لحظات الأزمات، تشبه
شبكة معقدة من الطرق؛ وقد تكون هناك عقدة واحدة تستطيع وصل طرق تبدو منفصلة. ومن
هذه الزاوية يمكن فهم دور نيجيرفان بارزاني: ليس باعتباره طرفاً في الصراع، وإنما
باعتباره جسراً بين أطراف الصراع.
لقد أثبتت هذه الحادثة أن
الدبلوماسية لا تُصنع دائماً خلف طاولات المؤتمرات وأمام عدسات الكاميرات. أحياناً
تبدأ من هاتف، ورسالة، وشخص يعرف كيف يقول الكلام المناسب للطرف المناسب، في الوقت
المناسب.
وفي الشرق الأوسط، حيث تتراكم
الجدران بين الخصوم، تصبح قيمة رجل الجسور أكبر، لذلك، فإن أهمية نيجيرفان بارزاني
في هذه المعادلة لا تكمن فقط في كونه رئيساً لإقليم كوردستان، بل في قدرته على
تحويل موقع أربيل من جغرافية تقع بين المتخاصمين إلى مساحة يمكن أن يلتقي فيها
المتخاصمون.
وفي زمن تزداد فيه لغة القطيعة،
ربما تكون أعظم قوة سياسية هي القدرة على إبقاء باب الحديث مفتوحاً. فحين تعجز الجدران عن صناعة السلام، قد تصنعه الجسور.
.jpg&w=3840&q=75)


.jpg&w=3840&q=75)