خلال العقدين الماضيين، اعتاد
المراقبون النظر إلى إقليم كوردستان بوصفه فاعلاً محلياً داخل المعادلة العراقية،
لكن التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط توحي بأن هذه النظرة أصبحت أقل دقة. فما
يجري اليوم لا يقتصر على إعادة رسم التحالفات بين الدول، بل يمتد إلى إعادة تعريف
أهمية الجغرافيا السياسية نفسها.
في هذا السياق، يبرز إقليم
كوردستان بوصفه لاعباً قد يجد نفسه في موقع مختلف عما كان عليه خلال السنوات
السابقة.
فمن جهة، تتوسع علاقات الإقليم مع
الولايات المتحدة والدول الأوروبية في مجالات الأمن والاستثمار والتعاون المؤسسي.
ومن جهة أخرى، يحافظ على شراكة اقتصادية عميقة مع تركيا، ويعمل في الوقت نفسه على
إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع إيران، رغم التعقيدات الأمنية والسياسية بين
الطرفين. أما الخليج، فقد أصبح خلال السنوات الأخيرة شريكاً اقتصادياً متزايد
الأهمية، مع اهتمام متنامٍ بالاستثمار في الطاقة والبنية التحتية والقطاع الخاص
داخل الإقليم.
هذه السياسة ليست وليدة المصادفة،
بل تعكس فلسفة سياسية يمكن وصفها بسياسة "التوازن متعدد الاتجاهات"؛ أي
السعي إلى بناء علاقات مع أطراف متنافسة من دون الارتهان الكامل لأي منها. وهي
مقاربة تزداد أهمية كلما ارتفع منسوب الاستقطاب الإقليمي، لكن المشهد بدأ يأخذ
بعداً جديداً مع حدثين متقاربين زمنياً.
الأول، الإعلان عن اتفاق دفاع مشترك
بين السعودية وتركيا وباكستان، وهو تطور يعكس انتقال التعاون بين هذه الدول من
المستوى السياسي والاقتصادي إلى مستوى التنسيق الأمني والعسكري.
والثاني، الزيارة الرسمية التي
قام بها رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق ولقاؤه مع الرئيس السوري
أحمد الشرع، في خطوة حملت رسائل تتجاوز البروتوكول السياسي، وأشارت إلى وجود رغبة
متبادلة في فتح صفحة جديدة من العلاقات.
كل حدث من هذين الحدثين يمكن
تفسيره منفرداً، لكن قيمتهما الحقيقية تظهر عند قراءتهما معاً. فالشرق الأوسط يبدو وكأنه يدخل مرحلة جديدة، لا تقوم فقط على إدارة
الأزمات، بل على بناء ترتيبات إقليمية طويلة الأمد. وإذا صح هذا التقدير، فإن
الموقع الجغرافي لإقليم كوردستان يكتسب أهمية مضاعفة.
يقع الإقليم عند نقطة التقاء
أربعة فضاءات استراتيجية: العراق، وتركيا، وسوريا، وإيران، بينما لا يبتعد
اقتصادياً عن الخليج ولا أمنياً عن الولايات المتحدة والغرب. هذه الجغرافية، التي
كانت في مراحل سابقة مصدر ضغوط مستمرة، قد تتحول إلى مصدر قوة إذا نجحت الأطراف
الإقليمية في الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الربط الاقتصادي والأمني.
ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم
هو: إلى أي محور سينتمي الإقليم؟ بل: كيف سيحافظ على عدم انتمائه الكامل لأي محور؟
فنجاح حكومة الإقليم خلال السنوات الماضية ارتبط، إلى حد بعيد، بقدرتها على
المناورة بين المصالح المتعارضة. ومن المرجح أن تصبح هذه القدرة أكثر قيمة خلال
السنوات المقبلة، لا أقل.
غير أن هذه الفرصة لا تخلو من
المخاطر. فأي تقارب متزايد بين أربيل وأنقرة والرياض
سيبقى محل متابعة دقيقة من إيران، كما أن استمرار التعاون الأمني مع الولايات
المتحدة سيظل عاملاً حساساً في الحسابات الإقليمية. وفي المقابل، فإن أي تراجع في
العلاقات التركية ـ الخليجية أو أي تصعيد واسع بين القوى الكبرى قد يعيد المنطقة
إلى منطق المحاور الصلبة، وهو السيناريو الذي يضيق هامش الحركة أمام الفاعلين
المتوسطين، وفي مقدمتهم إقليم كوردستان.
ومن زاوية أخرى، فإن انفتاح دمشق
على أربيل قد يحمل دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية. فإذا استمرت سوريا في إعادة
بناء مؤسساتها والانفتاح على محيطها، فقد يصبح إقليم كوردستان وشمال سوريا جزءاً
من فضاء اقتصادي وأمني أكثر ترابطاً، بما يفتح فرصاً جديدة في التجارة والطاقة
والنقل وإدارة الحدود.
كل ذلك يقود إلى نتيجة أساسية: إن
القيمة الاستراتيجية لإقليم كوردستان لم تعد تُقاس بحجمه الجغرافي أو الديموغرافي،
بل بموقعه داخل شبكة العلاقات الإقليمية المتشابكة.
ولهذا، فإن مستقبل الإقليم لن
يتحدد فقط بما يحدث في بغداد أو أربيل، بل أيضاً بما ستؤول إليه العلاقات بين
أنقرة والرياض، وبين واشنطن وطهران، وبين دمشق وجوارها.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم على
أعتاب مرحلة إعادة تشكيل واسعة. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد يتحول إقليم
كوردستان من منطقة تتأثر بالتحولات الإقليمية إلى منطقة تزداد أهميتها كلما تعمقت
تلك التحولات.
ولعل التحدي الأكبر أمام صناع
القرار في أربيل لن يكون اختيار الحليف الأقوى، بل الحفاظ على القدرة على التحدث
مع الجميع، في منطقة أصبح فيها الاحتفاظ بجسور التواصل أحياناً أكثر قيمة من
الانحياز إلى أحد الضفاف.
.jpg&w=3840&q=75)


.webp&w=3840&q=75)